
شمعة
نضيئها مع الجمعية التأسيسية للدستور ( 9 )
دكتور مجدي قرقر
أمين عام حزب العمل الجديد
*****
البداية
مع مواد الشريعة الإسلامية
قضية الشريعة الإسلامية في دستور مصر
الجديد تعكس حالة الاستقطاب الإسلامي العلماني في المجتمع قبل أن تعكس خلافا حول
نص. وكلا الطرفين - الإسلامي والعلماني - لديه هواجس ومخاوف من الطرف الآخر دون
مبررات مادية وحقيقية واضحة. الطرف الإسلامي يتخوف من محاولات العلمانيين لعلمنة
المجتمع وهو تخوف غير قائم، ليس لأن العلمانيين لا يحاولون ولكن لأن مجتمعنا غير قابل
للعلمنة، فالمجتمع المصري مجتمع متدين بطبيعته ومفتاح شخصيته التدين، مجتمع رفض أن
يذوب في الاستعمار ولكنه تفاعل مع الأديان والرسالات السماوية التي احتضنتها مصر
انتهاء برسالة الإسلام ودينه الحنيف الذي آمن به شعب مصر واستوعبه وكون رؤيته الحضارية
الوسطية له من خلال أزهره الشريف.
الشريعة الإسلامية مكون رئيسي للشخصية المصرية مسلمين ومسيحيين على السواء
كما يقول الزعيم الوطني المصري مكرم عبيد "أنا مسيحي دينا مسلم وطنا
وحضارة"
وتخوف الإسلاميين في غير موضعه، فكل
من حكموا مصر في عهدها الحديث كانوا من العلمانيين ولم يتمكنوا من علمنة مصر، كما
وصل الصدام بين حكامها العلمانيين والتيار الإسلامي إلى حد التنكيل والسجن
والاقتتال وذهب الطغاة وبقي التيار الإسلامي أكثر صلابة وأكبر قوة وتنظيما.
ويتساءل التيار الإسلامي كيف نضمن عدم وصول الطغاة مرة أخرى إلى سدة الحكم لينكلوا
بالتيار الإسلامي؟ الإجابة بأن الضمانة ليست في نص الشريعة بل في نصوص نظام الحكم
والحريات التي تمنع من استئساد الحاكم على شعبه والتي تصون حرية الشعب التي
انتزعها من حاكمه المستبد بثورة 25 يناير المباركة.
وفي المقابل يتخوف العلمانيون من مواد
الشريعة التي قد تحول مصر
إلى دولة دينية تحكم بالحق الإلهي دون مراجعة، وتبتعد بمصر عن مقتضيات العصر، وتحفظهم على الحكومة الدينية
(الثيوقراطية) بمعنى حكم رجال الدين تخوف غير صحيح، فالإسلام
لا يعرف الحكومة الدينية المفوضة من الله والتي تحكم بسلطان الدين لأن الإسلام لا
يعرف الكهنوتية، وليس فيه رجال دين وإنما فيه علماء دين متخصصون، غير معصومين، يصيبون
ويخطئون،.والقاعدة الإسلامية هي تعيين الأكفأ والأقدر على العمل بصرف النظر عن شدة
الورع أو كثرة التدين امتثالا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من ولي من أمر
المسلمين شيئًا فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله).
ورغم
توضيحنا السابق سيظل العلمانيون على تحفظهم، لذا نود أن نسألهم لماذا لا يقر العلمانيون
بالسلطة للتيار الإسلامي بمرجعيته الإسلامية مع أنهم يقرون بها للتيارات
الليبرالية والقومية والماركسية بمرجعياتهم البشرية؟ أليس ذلك دليلاً على أنهم
يغلبون هوى نفوسهم؟
لا
كهنوت في الإسلام، وعلماء المسلمين وكذلك الحكام ليسوا بمعصومين فهذا أول الخلفاء
الراشدين أبو بكر الصديق يخطب غداة مبايعته بالخلافة (أيها الناس، إني وليت عليكم
ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أخطأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم
فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم). أين إذن الحكم بالحق الإلهي الذي يتحفظون عليه؟
هواجس من الطرفين غير مبررة فلقد توافقت الجمعية التأسيسية للدستور -
بكل أطيافها - على بقاء المادة الثانية من الدستور بنصها "الإسلام دين
الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى
للتشريع" ولقد طالبت بعض التيارات السلفية بإلغاء كلمة مبادئ أو استبدالها
بأحكام تخوفا من عمومية مصطلح "مبادئ" وعدم وجود تحديد واضح للمصطلح،
وهو تحفظ صحيح فقد يضيق العلمانيون من المصطلح ويقصرونه على المبادئ العامة
"الحرية والعدل والمساواة والتمسك بالأخلاق والقيم الرفيعة ..... الخ" وفي
المقابل قد يتوسع بعض الإسلاميين في المصطلح ليشمل كافة الأحكام الإسلامية القطعية
والظنية على السواء. كما أن ترك المصطلح للمحكمة الدستورية غير مبرر طالما أن الجمعية
التأسيسية موجودة وتؤدي عملها كما أن شعب مصر هو الأولى في إقرار مدلول المصطلح
بعد الحوار المجتمعي بين العلماء والفقهاء والقضاة والمتخصصون. ومن هنا فقد أحسنت
الجمعية التأسيسية صنعا بتعريف المصطلح في باب المبادئ العامة "مبادئ الشريعة
الإسلامية تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة في
مذاهب أهل السنة والجماعة" ووفقا لبيان جماعة الإخوان المسلمين الصادر في 31
أكتوبر الماضي فإن المقصود بأدلتها الكلية كل ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة،
والمقصود بالقواعد الأصولية والفقهية: القواعد المستنبطة من عموم الأدلة الشرعية
التي لا اختلافَ عليها والتي تحقق
مقاصد الشريعة، والمقصود بالمصادر المعتبرة: القرآن والسنة والإجماع والقياس،
وبهذه المادة ينقطع الجدل الدائر حول تفسير مبادئ الشريعة بشكل كامل. وبهذا التفسير الدستوري لن يكون هناك محلا لتأويل مصطلح
مبادئ الشريعة لا من قبل أي من التيارات ولا من قبل المحكمة الدستورية.
*****
تكبيل
الأزهر وتحجيمه
وحتى يعود للأزهر الشريف مجده فإننا ننشد استقلال الأزهر ماليا
وإداريا كما هو حال الكنيسة الوطنية الأرثوذكسية، ونص الأزهر المقترح في المادة
الرابعة في صيغته الأخيرة "الأزهر الشريف هيئة إسلامية مستقلة ، يختص وحده
بالقيام على كافة شئونه، مجاله الأمة الإسلامية والعالم كله، ويتولى نشر علوم
الدين والدعوة الإسلامية ، وتكفل الدولة الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه
، ويحدد القانون طريقة اختيار شيخ
الأزهر، وهو مستقل غير قابل للعزل ويؤخذ رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر
الشريف فى الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية".
وفي التعديل الأخير إيجابيات وسلبيات، فكما أشرنا فإن الإسلام
لا يعرف الدولة الدينية وحكم رجال الدين، والنص قبل التعديل بمسودة 24 أكتوبر كان
باتجاه الدولة الدينية إذا اعتبر رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف المرجعية
النهائية، وهو ما يخالف القراءة الصحيحة للإسلام بأن علماء الإسلام يصيبون ويخطئون
ويؤخذ منهم ويرد عليهم، وربما كان من المفيد الإبقاء على النص إذا ما اعتبر رأى
هيئة كبار العلماء مرجعية أساسية ومعتبرة - وليس المرجعية النهائية وليس أيضا مجرد
أخذ رأي لا قيمة له كما هو الحال في النص الحالي. كما أن النص الأخير بقي على حاله
في أن شيخ الأزهر مستقل وغير قابل للعزل، وهو تأليه للشيخ رغم أن الإسلام لا يعرف
رجال الدين المعصومين فكل يخطئ ويصيب إلا رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام
وبالتالي فشيخ الأزهر غير معصوم يخطئ ويصيب ويعزل ولا يؤله باستمراره في موقعه
طوال حياته لأنه غير قابل للعزل كما هو الحال مع النائب العام الآن.
واستقلال الأزهر ليس بالنص على استقلال شيخه فالصياغة لا تضمن الاستقلال المالي للأزهر
الشريف "وتكفل الدولة
الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه" وما دامت الدولة تمول فلن يكون الأزهر
ولا شيخه مستقلين، فإذا خرج الأزهر عن سياسة الدولة فلن توفر الدولة الاعتمادات المالية الكافية له، والأحق هو أن تعود للأزهر أوقافه حتى
نضمن استقلاله أو توقف الأموال له وفقا للمادة 22 المستحدثة.
وما زالت المادة الرابعة تحدد علاقة الأزهر بالدولة في مجال
محدود وضيق إذ تقصره على الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية وفقط، وتضيق على كبار
العلماء بحصر اجتهادهم في مذاهب أهل السنة والجماعة في حين أن مساحة الاجتهاد في
الإسلام أوسع وأرحب.
وإذا كان لنا أن نعدل فإننا نكرر صياغتنا المقترحة بمقالنا
السابق بتاريخ 25 سبتمبر 2012 منذ شهر ونصف الشهر: " الأزهر
الشريف هيئة إسلامية مستقلة ، يختص وحده بالقيام على كافة شئونه، ويمتد مجاله
ليشمل العالم عامة والعالم الإسلامي خاصة ، ويتولى نشر علوم الدين والدعوة
الإسلامية ، ويكفل المجتمع الأوقاف والأموال الكافية والتي تضمن استقلاله وتحقيق
أغراضه. ويكون رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف مرجعية أساسية
ومعتبرة للدولة والمجتمع في شئونه المختلفة ويتم انتخاب شيخ الأزهر من هيئة كبار
العلماء لمدة أو مدد محددة، ويحدد القانون طريقة انتخابه ومعايير اختيار هيئة كبار
العلماء".
هل ستأخذ الجمعية التأسيسية النص المقترح وتلقي به في سلة
المهملات - كما فعلت من قبل - ويكفيها أنها فتحت الباب لتستمع دون أن تتحاور ودون
أن تستجيب.
*****
منظمات
حقوق الإنسان تفتعل الشجار
تنص المادة 54 بباب "الحقوق
والحريات والواجبات العامة " على "تلتزم الدولة باتخاذ كافة التدابير التى ترسخ مساواة المرأة مع
الرجل فى مجالات الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وسائر
المجالات الأخرى دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية . وتوفر الدولة خدمات الأمومة والطفولة بالمجان، وتكفل للمرأة
الرعاية الصحية والاجتماعية والاقتصادية وحق الإرث، والتوفيق بين واجباتها نحو
الأسرة وعملها فى المجتمع. وتولى الدولة حماية وعناية خاصة للمرأة المعيلة والمطلقة
والأرملة وغيرهن من النساء الأكثر احتياجا"
ورغم أن هذه المادة تعطي حقوقا وتمييزا إيجابيا للمرأة في كفالة
التوفيق بين واجباتها نحو الأسرة وعملها فى المجتمع وحماية وعناية خاصة للمرأة المعيلة والمطلقة والأرملة وغيرهن
من النساء الأكثر احتياجا" وجاء هذا التفصيل لإرضاء منظمات المجتمع المدني
التي ملأت الدنيا ضجيجا لا لشيء سوى أن المادة نصت على أن تكون مساواة المرأة
بالرجل بدون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية، وهو شجار غير مبرر لأن هذه المادة
مادة أصيلة في دستور 1971 برقم 11 في بابه الأول "الدولة" والتي نصت على
"تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها فى المجتمع،
ومساواتها بالرجل فى ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية،
دون إخلال بأحكام الشريعة الاسلامية" فلماذا الضجيج والخلاف والشجار؟
*****
الزكاة
عصب للاقتصاد ولا تترك للقانون
ومن المواد المقترحة الجيدة التي لم ترى النور مادة الزكاة، ولقد
تحجج بعض أعضاء الجمعية بأنها تفاصيل تترك للقانون رغم أهميتها، لقد حارب خليفة
رسول الله أبو بكر الصديق مانعي الزكاة لأنهم يهدمون نظام الدولة، وقال قولته
المشتهرة: " والله
لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا
كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه . فقال عمر بن الخطاب: فوالله ، ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر
للقتال ، فعرفت أنه الحق".
هذه هي الزكاة في الإسلام وفي دولة الإسلام، هذه هي الشريعة
ليست مجرد نص بل نظام حياة وليضع الإسلاميون الأولويات في ترتيبها الصحيح، وجزى
الله من اقترح نص الزكاة خيرا: "تعمل الدولة على إيجاد مؤسسة عامة تقوم على تحصيل الزكاة من المكلفين
بها، وفق أحكام الشريعة الاسلامية، مع مراعاة ترك نسبة محددة منها ليتولى
الملتزمون بها التصرف فيها لصالح المستحقين من ذويهم. كما تتولى تحصيل زكاة الركاز
من المؤسسات العاملة عليها وتتولى إنفاق كل ما يصل إليها في مصارفها الشرعية. " وأتعجب من حذف هذه المادة التي تنظم أموال الزكاة بدلا من تضييعها
وتوزيعها فتاتا على الفقراء وبعشوائية لا تعود بنفع على الفقراء أو المجتمع، كما
أن الزكاة تطهر أموال الدولة بتحصيل
زكاة الركاز ولا أدري لما التردد والدولة تخرجه بالفعل ولكن تحت مسمى دعم الوقود
أو الطاقة، وإذا كانت الدولة لا تود أن تخرج زكاة الركاز في صورة أموال فلتخرجه في
صورة عينية على هيئة وقود - بنزين أو سولار أو كهرباء - إننا نخرج زكاة الركاز في
صورة دعم ولو أخرجناها في صورة زكاة لطهرنا ثرواتنا ولأرضينا الله ليبارك لنا في
أرزاقنا. إن هذه مادة نرضي بها الله ورسوله فعلينا أن نعض عليها بالنواجذ.
*****
تأصيل الهوية واللغة والتاريخ والدين
ومن الإضافات المهمة المادة 11 - باب الدولة
والمجتمع "تحمى الدولة الوحدة الثقافية والحضارية واللغوية للمجتمع المصرى، وتعمل
على تعريب التعليم والعلوم والمعارف" وهو التزام بتعريب التعليم والعلوم ما
أحوجنا إليه فتعريب التعليم له أهميته الكبيرة حيث ذهب علماء التربية إلى أن تحصيل
العلوم في المرحلة الجامعية بلغة الوطن يعطي نتائج أفضل من تحصيلها باللغة
الأجنبية.
كما أن المادة 54 بباب "الحقوق
والحريات والواجبات العامة " تنص على أن "اللغة العربية مادة أساسية فى مراحل
التعليم المختلفة بكل المؤسسات التعليمية، والتربية الدينية والتاريخ الوطنى
مادتان أساسيتان فى التعليم قبل الجامعى بكل أنواعه، وتلتزم الجامعات بتدريس القيم
والأخلاق اللازمة للتخصصات العلمية المختلفة"
والمادة تقصر التربية الدينية على التعليم قبل الجامعى ولا حرج في ذلك
فالطالب في المرحلة الجامعية يمكنه التعرف على دينه بطريقته الخاصة وبحرية ولكنها
قصرت تعليم التاريخ الوطني أو ما كان يسمى بالتربية القومية على المرحلة قبل
الجامعية وفي هذا ضرر كبير، فشخصية الطالب تتشكل في المرحلة الجامعية والبعد
الوطني والانتماء يكتسبه الطالب في هذه المرحلة المهمة فكل زعماء مصر تكونت
شخصيتهم الزعامية أثناء المرحلة الجامعية.
*****
تجريم
تلويث نيل مصر العظيم
وأود ألا أنهي المقال قبل الإشارة التي أشرت إليها بمقالنا
السابق بتاريخ 25 سبتمبر 2012 والتي أكدت ضرورتها بقعة الزيت التي أصابت نيلنا
العظيم وهددت مأكلنا ومشربنا. تنص المادة
(16) بباب الدولة على أن :"نهر النيل وموارد المياه الجوفية ثروة وطنية، يحظر تحويلها إلى
ملكية خاصة، وتلتزم الدولة بالحفاظ عليها وتنميتها وحمايتها ، ومنع الاعتداء
عليها، وينظم القانون وسائل الانتفاع بها" وأقترح تعديل بعض عباراته إلى: يحظر
ويجرم تلويثها أو تحويلها إلى ملكية خاصة - وتنميتها وحمايتها بشكل عام
ومن التلوث بشكل خاص.
والحمد لله من قبل ومن بعد
5 نوفمبر 2012
0 التعليقات:
إرسال تعليق