‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إسلاميات. إظهار كافة الرسائل

7/16/2011

وثيقة الأزهر وفخ العالمانيين لتضييع الهوية والأزهر وفلسطين


أبدأ بعتاب نفسي إذ اكتفيت بالمتابعة الإعلامية لردود فعل النخبة - إسلاميين وعالمانيين - على وثيقة الأزهر حول مستقبل مصر والتي قيمت في مجملها الوثيقة تقييما إيجابيا. وأحسنت الظن إزاء ذلك مفترضا أن كلا الطرفين قد توافقا لخير مصر. وبدعوة من المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية لحضور حلقة نقاشية حول الوثيقة يوم الأربعاء 13 يوليو الماضي قرأت الوثيقة لأكتشف أن الأزهر قد شارك في خدعة كبيرة أعد لها رموز الإعلاميين.
تبدأ الوثيقة بإقرار من النخبة بأهمية الأزهر وضرورة الاحتكام إليه في تحديد علاقة الدولة بالدين وبيان أسس السياسة الشرعية الصحيحة، أي أن هناك علاقة بين الدولة والدين وهناك أسس للسياسة الشرعية.
وتشير الوثيقة في مقدمتها إلى الأبعاد التي ارتكز إليها الأزهر الشريف في خبراته المتراكمة ( البعد الفقهي - التاريخي - الحضاري - العملي - الريادي ) وأغفلت الوثيقة البعد الأهم الذي ضمن للأزهر مكانته وهو أن مفتاح شخصية شعبنا المصري بمسلميه ومسيحييه هو التدين.
وأحسنت الوثيقة صنعا عندما لم تعرف مصر بالدولة المدنية لأن الدولة المدنية مصطلح باهت لا تعرفه قواميس المصطلحات السياسية - والتي لا تعرف سوى مصطلح المجتمع المدني - ورغم استخدام العالمانيون لمصطلح الدولة المدنية إلا أنهم يختلفون في تعريفها فتارة يستخدمونها ضد الدينية وتارة ضد العسكرية وتارة بمفهوم الحداثة وواقع الأمر أنهم يقصدون الدولة العالمانية. أحسنت الوثيقة صنعا إذ سكتت عن الدولة المدنية ولكن ممثلي الأزهر في اللقاء الدكتور إسماعيل الدفتار والدكتور سالم عبد الجليل تورطا في استخدامه وأدخل الدكتور سالم نفسه في حقل الألغام ثم حاول الخروج منه بشرح مفهومه للدولة المدنية الذي لم يرض العالمانيين بالقطع.
تحدثت الوثيقة عن دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة ولو اكتفت بالديمقراطية لأنصفت، فهل نتخيل الدولة غير وطنية حتى ننص على وطنيتها؟ وهل نتخيل الدولة غير دستورية فلماذا نصيغ الدستور ويتوافق الجميع عليه ويستفتى عليه الشعب لإقراره؟ ثم ما هو مفهوم الدولة الحديثة وهل لم تقم دول القرون السابقة على المواطنة والمساواة واحترام القانون وإذا أبدعت الدولة الحديثة جديدا فإن الأهم هو النص عليه في مواد الدستور وليس في وصفها، أليس ما هو حديثا الآن لن يكون حديثا بعد سنوات؟ إن مصطلح الدولة الحديثة لا يقل ميوعة عن مصطلح الدولة المدنية، لو اكتفت الوثيقة بمصطلح الدولة الديمقراطية لكفى بعيدا عن المصطلحات التي تفتقد المدلول المحدد.
تتحدث الوثيقة عن الالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية والعلاقات الإنسانية والتقاليد السمحة للثقافة الإسلامية والعربية وتتحدث عن التعايش السلمي ونشدان الخير للإنسانية كلها. ثم سكتت الوثيقة عن نصف الكوب الآخر، فكان من الواجب النص في نفس المادة على حق الشعوب في الدفاع عن أرضها وحقها في الكفاح المسلح لتحرير الأرض وهي بهذا تهدر تراثا كبيرا للأزهر الشريف في مساندة الشعب الفلسطيني بفتاويه المتكررة منذ الخمسينات كما تهدر تراث الأزهر في الكفاح المسلح الذي قاد ثورة القاهرة الأولى والثانية ضد الاحتلال الفرنسي وكان الجامع الأزهر الشريف وقتها هو غرفة العمليات التي قادت الثورة حتى أن نابليون وجه مدافعه من القلعة باتجاه الأزهر الشريف وبعد جلاء الاحتلال سلم الأزهر الراية للشعب ليثور ضد ظلم المماليك والوالي العثماني.
ولقد حاولت الوثيقة دمج المصطلحات السياسية بالمصطلحات الإسلامية الشرعية والفقهية فجاء ذلك على حساب الرؤية الإسلامية. تشير الوثيقة إلى "إعمال فقه الأولويات في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية ومواجهة الاستعباد ومكافحة الاستبداد والقضاء على البطالة" ولو ربطت الوثيقة بين مفهوم العدالة الاجتماعية ومفهوم حد الكفاية "حق المأكل والملبس والمسكن" لكان أفضل، والذي لو أنصف علماء وفقهاء الأزهر لزادوا حد الكفاية من ثلاثة حقوق إلى ستة "حق المأكل والملبس والمسكن وحق التعليم والعلاج وحق العمل".
ثم إذا بالوثيقة تضيع هوية مصر العربية الإسلامية وتتحدث عن "بناء علاقات مصر بأشقائها العرب ومحيطها الإسلامي ودائرتها الإفريقية ومناصرة الحق الفلسطيني"، مجرد بناء علاقات - وليست هوية - مع الأشقاء العرب والمحيط الإسلامي والدائرة الإفريقية - ومن هو خارج الميط الإسلامي لا داعي لبناء العلاقات معه - اندونسيا، ماليزيا، دول البلقان، الجمهوريات الإسلامية السوفيتية، وكلها خارج المحيط الإسلامي - ثم مجرد مناصرة للحق الفلسطيني. أي أن الوثيقة تضيع الهوية وتميعها وتعطي الحق لمصر بأن ترفع يدها عن القضية الفلسطينية وتكتفي بالمناصرة.
ولم تكتف الوثيقة بتضييع الهوية وفلسطين فضيعت دور الأزهر وقصرته على شئون الإسلام وعلومه "اعتبار الأزهر هو الجهة المختصة التي يرجع إليها في شئون الإسلام وعلومه وتراثه واجتهاداته الفقهية والفكرية الحديثة" وفي البند السابق لهذا قصرت الهدف من استقلال الأزهر على "استرداد دوره الفكري الأصيل وتأثيره العالمي في مختلف الأنحاء"!!!!!!، أين دور الأزهر الحضاري في المجتمع وارتباطه بقضايا الأمة؟
وإذا عدنا إلى مواد الوثيقة نجد أنها مفككة ولا يوجد نسق أو بناء فيها فهي تتحدث عن ( طبيعة الدولة - النظام السياسي - حرية الرأي وحقوق الإنسان - المواثيق الدولية - دور العبادة والشعائر الدينية - التعليم والبحث العلمي - التنمية والعدالة الاجتماعية والبطالة - علاقات مصر الخارجية - استقلال الأزهر واختصاصه ) - سمك لبن تمر هندي كما يقولون - أين البناء والاتساق في وثيقة وضعها علماء ومفكرون؟!!!!.
بدلا من تسمية الوثيقة "بيان الأزهر ونخبة من المثقفين حول مستقبل مصر" كان من الأفضل الاقتصار على تسميتها "بيان من المثقفين" أما الأزهر!!! فلا يمكن أن تمثله مثل هذه الوثيقة حتى وإن جلس عليها المثقفون أيام وأيام، إنها أقل كثيرا من الأزهر وتفتقد رصانته وعمقه الفكري.
لقد ضيعتم الهوية وضيعتم الأزهر وضيعتم فلسطين لحساب العالمانيين

5/13/2011

الشورى والديمقراطية في إطار التعددية





في قضية الشورى والديمقراطية نتطرق إلى خمسة عناصر:
♦ قضية التعددية في الإسلام.
♦ شبهات حول التعددية
♦ الفروق الجوهرية بين الشورى والديمقراطية.
♦ القواعد الحاكمة لقضية الشورى
♦ الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام حول الشورى ومفهومها في الإسلام والرد عليها.
الإسلام والتعددية
مدخل: الشورى والديمقراطية تعنيان مشاورة الأمة أو سؤالها في بعض الأمور أو تخييرها بين بعض البدائل المختلفة لتختار من بينها ما تظن أنه يناسبها أو فيه الخير لمصلحتها.
كما تعني الشورى أن هناك عدة أوجه أو رؤى في قضية ما ومن هنا تلزم الشورى أو الديمقراطية حتى تفاضل الجماعة بين هذه الرؤى المختلفة وتختار من بينها ما تظنه صالحا لها.. ووجود عدة أوجه للقضية أو المسألة هو ما نعني به قضية التعددية.. فهل يحتمل الإسلام وجود التعددية؟.
1. التعددية: سنة من سنن الله سبحانه وتعالى، والنصوص القرآنية تنص على أن الناس ليسوا فصيلا واحدا وأن الله سبحانه وتعالى خلق الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا, { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } , أي أن هناك تعددية خارج الإطار الإسلامي وأننا مأمورون بأن نتعامل مع الآخر خارج الإطار الإسلامي، فما بالنا بمن يختلف معنا داخل الإطار الإسلامي نفسه؟
التعددية كما قلنا تعدد الرؤى في المسألة الواحدة.. ولكن هل أية مسألة يجوز فيها التعددية؟ .. الشرط الذي يضعه الإسلام هو ألا يكون هناك نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة حتى تجوز التعددية في تلك المسألة وألا تتعارض هذه الرؤى مع الثوابت الإسلامية أو مع النصوص القطعية أو ما اصطلح عليه فقهاء الإسلام بما هو معلوم من الدين بالضرورة.
التعددية في الإسلام تعنى أن هناك اجتهادات متعددة أو اختلافات فقهية في مسألة واحدة.. والاختلاف الفقهي قد ينشأ عند تنزيل الأحكام الإسلامية على الواقع المعاش ومن هنا يكون الاجتهاد.
والاجتهاد الفقهي والرؤى الفقهية تتعدد باختلاف عناصر ثلاث:
1- اختلاف الزمان.
2- اختلاف المكان.
3- اختلاف الحال وهو ما أفضل تسميته بالخصوصية الحضارية للمجتمعات.
الدنيا فيها الثابت وفيها المتغير.. وحاجيات الإنسان أيضا فيها الثابت وفيها المتغير.. ولأن الإسلام هو الدين الخاتم فإنه يلزم أن يكون صالحا لكل زمان وصالحا للوفاء بحاجيات الإنسان المتغيرة.. ومن هنا فقد واجه الإسلام ثوابت الدنيا والبشرية بأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة استنباطا من نصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة كما يواجه الإسلام المتغيرات بالاجتهاد فيما لم يرد فيه نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة.



وببعض التباديل والتوافيق فإن الجدول التالي يوضح مناطق تقاطع القرآن الكريم والسنة النبوية ويوضح بالتالي المساحة القطعية وتلك الظنية

إذا حاولنا ترتيب عناصر الجدول السابق حسب القطعية والظنية واعتبرنا أن تردد لفظ القطعية في العنصر يعبر عن وزنه فإنه يمكن التعبير عن الجدول السابق طبقا للأوزان النسبية كما يلي:

والمساحة المظللة هي المساحة القطعية التي لا تحتمل الاجتهاد بينما المساحة الظنية هي بقية المساحة والتي يكون فيها الاجتهاد.
والمساحة قطعية الثبوت والدلالة في القرآن والسنة لها الأولوية الأولى في الأحكام الفقهية والتي لا تحتمل اللبس ( الفرض – الواجب – الحلال – الحرام – المنهي عنه ) بينما المساحة الظنية فيها ( المستحب – المتشابه – المكروه )
نخلص من ذلك أن هناك درجات مختلفة أقواها المساحة قطعية الثبوت قطعية الدلالة والتي لا تحتمل الاجتهاد وهي من حكمة الله سبحانه وتعالى حيث تواجه الشريعة بها ثوابت الدنيا التي لا تتغير بتغير الزمان ولا بتغير المكان ولا تختلف باختلاف الخصوصية الحضارية.
والمساحة القطعية هي المساحة الأصغر بينما المساحة الظنية هي المساحة الأكبر وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده حيث يتفق الفقهاء في المساحة القطعية الثبوت والدلالة.بينما يرد الخلاف في المساحة الظنية والقاعدة الفقهية تقول (إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة).فمن رحمة الله أن توجد هذه المساحة الظنية الكبيرة والتي تحتمل الاجتهاد والخارجة عن المساحة قطعية الثبوت قطعية الدلالة.
وكما أشرنا فإن الاجتهاد داخل تلك المساحة الظنية يتغير بتغير الزمان والمكان واختلاف الحال:
(1) تغير الزمان: المساحة الظنية يمكن أن تختلف الأحكام الفقهية بها بمرور الوقت بتغير الواقع المعاش حيث أن الفتوى تنتج عن تنزيل الأحكام الإسلامية على الواقع المعاش فإذا تغير الواقع تغيرت الفتوى ومن هنا يكون الاجتهاد.
وكما أشرنا فإن الله سبحانه وتعالى يعالج الثابت في الدنيا بالثابت من الأحكام ويعالج المتغير في هذه الدنيا بالمتغير من الأحكام.. فحب المال وتملكه وحب الجنس والأبناء -.. الخ- من الغرائز الثابتة التي لا تتغير بتغير الزمان وبالتالي فإنها تواجه بأحكام ثابتة مثل الحدود والتي لا تتغير مثل حد السرقة وحد القصاص وحد الزنا الخ.. أما المسائل المتغيرة في الدنيا فيواجهها الفقه بأحكام متغيرة.
(2) تغير المكان:
الأمر المشتهر هي العديد من الفتاوى التي أفتى بها الإمام الشافعي في العراق وعندما انتقل إلى مصر غير هذه الفتاوى بتغير المكان, فعندما رحل الشافعي إلى مصر سنة 199 هـ - قبل وفاته بأربع سنوات - وبعد أن خالط المصريين وعرف ما عندهم من تقاليد و أعراف و عادات تخالف ما عند أهل العراق و الحجاز أعاد النظر في مذهبه القديم المدون بكتابه (الحجة) و جاء منه ببعض المسائل في مذهبه الجديد في كتاب (الأم) الذي أملاه على تلاميذه في مصر, فهو قد غير اجتهاده باختلاف المكان واختلاف الحال في نفس الوقت.
(3) اختلاف الحال أو الخصوصية الحضارية:
واحتمال تغير الفتوى لا يتوقف على تغير الزمان والمكان فقط بل إن اختلاف الحال من شخص لآخر يمكن أن يغير الفتوى, فالحكم في حالة الضرير قد يختلف عنه في حالة المبصر في بعض الأحيان وكذلك الحكم في حالة المريض قد يختلف عن حالة السليم وهكذا, ومن هنا فإن فتاوى الفضائيات يشوبها نقص كبير حيث لا يمكن الاتصال الهاتفي من تبين حال المستفتي.
وإذا كانت الفتوى قد تتغير من شخص لآخر حسب حال كل منهما فإن احتمال تغيرها من شعب لآخر وارد – من باب أولى - باختلاف الخصوصية الحضارية لكل من الشعبين, صحيح أن المساحة الثابتة في الإسلام في كل الدنيا ثابتة لكن خارج المساحة الثابتة هناك المساحة الظنية التي تأخذ في الاعتبار أحوال البلاد والشعوب والتراكم الحضاري عند كل منها والتفاعل مع الحضارات السابقة الذي كون شخصية هذه الشعوب, ولكن الشرط في كل هذا ألا يخالف الاجتهاد عن النصوص القطعية أو عما هو معلوم من الدين بالضرورة.
يشير الدكتور يوسف القرضاوي إلى أن الدين نمط حياة.. يلتزم به الإنسان.. فهما وسلوكا وفق مراد الله.. والدين عقيدة وشريعة.. والعقيدة هي ما عقد في القلب.. فلا يكون هناك حاجة لمعاودة استعمال العقل بشأنه.. أما الشريعة فهي المنهج الرباني الذي يضبط علاقة الناس بالله وعلاقتهم بعضهم ببعض، هذا المنهج جاء به القرآن وجاءت به السنة النبوية.
شرح الفقهاء المنهج واستنبطوا فيما لا نص فيه فكوّنوا الفقه الإسلامي، فالشريعة هي وحي الله، أما الفقه فهو عمل العقل الإسلامي في فهم هذا الوحي والاستنباط منه لضبط وقائع الحياة وفق أمر الله تعالى ونهيه كما يفهمها العالِم المسلم، ولذلك قد يختلف الفقهاء بعضهم مع البعض
والفقه منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني، ومنه ما هو من الأصول ومنه ما هو من الفروع، منه ما هو من الكليات ومنه ما هو من الجزئيات،فداخل هذا الفقه توجد الشريعة الإسلامية.. فالشريعة هي الجزء الثابت الذي لا خلاف عليه، ويمثل مجموعة معينة من الأحكام القطعية.. وهذه الأحكام هي التي عليها مدار بقية الأحكام.. وما يجري من اجتهادات فرعية لا بد من أن تكون في إطار هذه الأصول الكلية.. بحيث لا تتصادم ولا تتناقض معها.. فهذا شأن الفقه مع الشريعة.
وعندما نقول بأن الدين عقيدة وشريعة فإننا نعنى بالعقيدة أصول الإيمان.. الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر... إلى آخره، وهذه لا تغير فيها، حيث أن الله واحد وسيظل واحدا، الله بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، هذه أشياء ثابتة في آخرها جنة ونار، هذه لا تغير فيها، ولذلك الثبات أصل في العقيدة، أما الشريعة فتجمع بين الثبات والتطور أو الثبات والمرونة أو الثبات والتغير.
الثابت في الشريعة: ويوضح الدكتور القرضاوي الثابت في الشريعة بما يلي:
أولا: مقاصد الشريعة، و تهدف إلى تحقيق مقاصد معينة, مثل المحافظة على الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وهو ما يطلق عليه الكليات الخمس، هذه مقاصد لا تختلف ولا تتغير بتغير الزمان والمكان, وتضبط القواعد الكلية أحكام الشريعة والاستنباط منها.
ثانيا: القواعد الشرعية, مثل "الأمور بمقاصدها، المشقة تجلب التيسير، لا ضرر ولا ضرار، الضرورات تبيح المحظورات، العادة محكمة", قضايا كثيرة اسمها القواعد الشرعية، هذه أيضا ثابتة لأنها مبنية على استقراء أحكام كثيرة حتى قُننت هكذا
ثالثا: الأحكام قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وهذه لا مجال للاجتهاد فيها، لا يدخلها التطور ولا التغير ولا التجديد، وهي التي تمثل الثوابت، ونقصد بها الثوابت الشرعية، إذ أن الصلوات الخمس والزكاة ركنان من أركان الإسلام، والزكاة تصرف في كذا وكذا.. وهناك الحج مرة في العمر، والزنا محرم، والربا محرم.. أحكام ثابتة لا تختلف باختلاف الزمان ولا المكان ولا بتغير العصر ولا تغير البيئة.
كما يوضح الدكتور القرضاوي المتغير ( المرن ) في الشريعة بما يلي:
أولا: الفروع, معظم أحكام الشريعة فرعيات اختلفت فيها الأفهام وتنوعت في الاستنباط منها المدارس الفقهية المختلفة، اختلف هؤلاء وهذا الاختلاف من رحمة الله بالأمة؛ لأنه يعطيها فرصة للاختيار، فقد يصلح رأي لزمن ولا يصلح لآخر، ويصلح لبلد ولا يصلح لآخر، ويصلح في حالة ولا يصلح في أخرى.
ثانيا: منطقة العفو, هناك منطقة في الشريعة اسمها منطقة العفو.. وهي منطقة ليس فيها نصوص ملزمة، ليس فيها أوامر ولا نواهٍ تلزمنا بشيء، الله أرادها هكذا كما جاء في بعض الأحاديث: "إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء رحمة منه من غير نسيان فلا تبحثوا عنها".
تركها عمدا كما جاء في الحديث "ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم في كتابه فهو حرام، وما تركه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا"، ثم تلا قول الله تعالى "ومَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيا", من هنا أخذنا تسمية هذه المنطقة بالمسكوت عنها، واسمها منطقة العفو, منطقة فراغ من التشريع المُلزم، فنستطيع أن نملأها بالقياس على المنصوص عليه، أو نملأها بمراعاة المصلحة المرسلة, بمراعاة الاستحسان, بمراعاة العرف, أدلة كثيرة فيما لا نص فيه، وهذا من رحمة الله عز وجل.
ويخلص الدكتور القرضاوي في نهاية بحثه إلى أن الشريعة الإسلامية يمكن أن تجمع بين مفهوم الثبات والمرونة في ذات الوقت، ويعني ذلك وجود ثبات في الأهداف ومرونة في الوسائل، ثبات في الأصول ومرونة في الفروع، ثبات في الكليات ومرونة في الجزئيات؛ ولذلك فإن الفقيه المجتهد في مشاكل وقضايا الأمة والمجتمع في زماننا هذا يجد أمامه فرصة لذلك؛
فكما أن هناك أمورا ثابتة هناك أمور قابلة للتغير، والشريعة صالحة لكل زمان ومكان بأصولها قطعا، لأن التفاصيل يمكن أن تتغير.
ويزعم بعض الزاعمين أن باب الاجتهاد قد أغلق.. ولكن الاجتهاد ما زال مستمرا.. وردا على من يقول بأن الجانب البشري الاجتهادي من الفقه الإسلامي هو فقط القابل للتغير أما الجانب الإلهي ويعنون بها النصوص فهي لا تقبل التغير، أقول لهؤلاء: إن المسألة ليست مسألة الجانب الإلهي والجانب البشري، إنما مسألة قطعي وظني، القطعي الذي لا مجال للاجتهاد فيه، والظني هو مجال للاجتهادات المستمرة، لا يستطيع أحد أن يوقف اجتهاد البشر في النصوص الظنية، فواحد يضيق وواحد يوسع، واحد ييسر وواحد يشدد، واحد ينظر إلى مقصد النص وفحواه وواحد ينظر إلى ظاهر النص وحرفيته، هذه طبيعة البشر في فهمهم النصوص مهما اختلفت.
كما أود أن أوضح أن قول الأصوليين والفقهاء لا اجتهاد في مورد النص، يعنى النص الأصولي الذي لا يحتمل وجها آخر في تفسيره؛ فالنص الأصولي ليس هناك اجتهاد إذا ورد، أما غير ذلك فلا بد أن نجتهد.. هل نقبل النص أو لا نقبله، هل الحديث صحيح أم ضعيف؟ قد يختلف هذا في قبول الراوي، وقد يقول هذا: لا الراوي عندي غير ثقة، قد يأخذ هذا بالمرسل وهذا لا يأخذ بالمرسل، قد يقدم هذا الحديث على عمل أهل المدينة، ويقدم مالك عمل أهل المدينة على الحديث، وهكذا.. النص الذي يقولون بأنه لا اجتهاد معه هو النص الأصولي على أرجح الأقوال وهو ما لا يحتمل وجها آخر في فهمه أو تفسيره.. " انتهى الاقتباس من الدكتور القرضاوي "
شبهات حول التعددية:
1- البعض يذهب وبعض الجماعات الإسلامية تذهب إلى أن الإسلام لا يحتمل التعددية فإما حزب الله وإما حزب الشيطان، هذا كلام مضبوط هناك حزب الله وحزب الشيطان لكن داخل حزب الله نفسه يمكن أن توجد فصائل متعددة كلها حزب الله طالما أنها تتبنى الحل الإسلامي والمنهج الإسلامي والمرجعية الإسلامية منهجاً للحياة.. أي أن حزب الله يتسع لكافة التيارات الإسلامية داخل الإطار الإسلامي الأوسع.. هنا قد يحتج البعض بالحديث المشتهر " ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فينا فقال ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة" ومنها من حديث عبد الله بن عمرو: " ... قالوا ومن هي يا رسول الله قال ما أنا عليه وأصحابي"
تفسيرنا لهذا الحديث أن المقصود بالشعبة أو الملة أو الفرقة هنا هو العقيدة أو المذهب وبالتالي فإن الجماعات التي ينقسم إليها الإسلام هي جماعات خارجة عن الإسلام وعندها خلل في البعد العقائدي، أما الجماعة الناجية فهي كل جماعة تأخذ بالكتاب والسنة, أي أن المسألة لها بعد عقائدي وليس بعد فقهي.أو سياسي.
التعدد في الرؤى والاجتهادات من مصلحة الأمة ولكن البعض يضيق واسعا بأن الإسلام لا يقبل التعددية, الكثير من الجماعات تظن أنها جماعة المسلمين وأنها ليست جماعة من المسلمين وأنها الجماعة الناجية وما عداها هالك, هناك بعض الجماعات حسمت هذه القضايا, على سبيل المثال (الأخوان المسلمون) حسموا هذه القضية, في الخمسينات من القرن الماضي – وداخل السجون - كان هذا التساؤل مطروح (هل نحن جماعة المسلمين أم جماعة من المسلمين ؟) حسموا القضية بأنهم جماعة من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين ، ولكن مازال هناك بعض الفرق الإسلامية تظن أنها جماعة المسلمين ومَنْ خارج هذه الجماعة ليسوا على الطريق الصحيح.
2- الشبهة الثانية أن الإسلام لا يمكنه التعايش مع الآخر: وكما أشرنا فإن الرأي الآخر كان موجودا دائماً في الخبرة الإسلامية وخير دليل على هذا الصحيفة التي حررها الرسول صلى الله عليه وسلم في مجتمع المدينة بعد الهجرة من مكة إلى المدينة المنورة، انظر إلى مجتمع المدينة نجد أنه نسق غريب ومتعدد يجمع المسلمين والنصارى واليهود ، يجمع بين الأنصار والمهاجرين من المسلمين بين الأوس والخزرج، كان مجتمع المدينة مجتمعا متعددا, واستطاع الرسول صلى الله عليه وسلم بما أوحى به الله وبما ألهمه سبحانه وتعالى بأن يؤسس أكبر إمبراطورية في مدى زمني قصير لم يتعدى العشر سنوات، وكانت الوثيقة الحاكمة لهذا المجتمع المتعدد هي صحيفة المدينة التي حررها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ليتعايش مجتمع المدينة بكل هذه التكوينات المختلفة.
النصوص القرآنية أشارت إلى الاختلاف بين الناس وأن الله سبحانه وتعالى أرادنا مختلفين, وفي النص القرآني نجد أن القرآن الكريم يخاطب المؤمنين أحياناً ويخاطب المسلمين أحياناً أخرى, لكنه في الغالب ما يخاطب الناس والبشر كافة وبما يعني أن الخطاب موجه للبشر كافة بمسلميه ومسيحيه وبكافة الملل والديانات وحتى المشركين.
3- الشبهة الثالثة أن الإسلام ضد الحزبية وقد أثبتنا فيما سبق أن الإسلام مع التعددية وبالتالي فإن الحزبية إذا عكست هذه التعددية فلا حرج, طالما كانت داخل الإطار الإسلامي والقاعدة الفقهية المقرة من الفقهاء أن الاتفاق في الأصول واجب، أما الفروع فمساحة الحركة فيها واسعة.. هذا هو الإطار الإسلامي اتفاق في الأصول وحركة واسعة في الفروع ولكنها حركة منضبطة.
وهنا يثور التساؤل متى تكون الحزبية مرفوضة ؟!
من المفروض أن مفهومنا للحزبية أو للجماعة أن هذا الحزب أو الجماعة هو وسيلة لتحقيق غاية أكبر هي التمكين لدين الله سبحانه وتعالى في الأرض بتحكيم شريعته وربط المجتمع بالإسلام ليلتزم به فهما وسلوكا.. إذن انتماؤنا الأكبر هو للعقيدة والفكرة التي نؤمن بها وهي التمكين لدين الله سبحانه وتعالى في الأرض وأن أمة الإسلام مأمورة بأن يكون فيها جماعة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ووجود هذه الجماعة فرض كفاية، بمعنى أنه إذا وجدت هذه الجماعة كفت الأمة، وإذا لم توجد تأثم الأمة جميعاً.. وتسأل الأمة جميعاً أمام الله سبحانه وتعالى لماذا لم تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر, إذن فالغاية الأكبر هي التمكين لدين الله في الأرض والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فإذا سبق انتماؤنا الحزبي انتماءنا للعقيدة التي نؤمن بها فإن المسألة يصبح فيها شيء خطأ، ويتمثل الخطأ في أننا جعلنا من الوسيلة هدفا وغاية في حين أن الوسيلة – وهي هنا الحزبية - ما هي إلا سبيل لتحقيق هذه الغاية, فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يقيض هذه الفئة أو الجماعة المسلمة لينتصر بها الدين فهذه إرادة الله سبحانه وتعالى، وإذا لم توفق هذه الجماعة فعليها أن تحاول في اتجاه آخر، لكننا يجب ألا نتعبد في محراب الحزب أو الجماعة, ولهذا يجب ألا يسبق انتماؤنا التنظيمي ولاءنا العقائدي.
تحدثنا عن (التعددية) ولم نتحدث عن (الحزبية) لماذا ؟ لأننا نحاول أن نفرق بين التعددية في الإطار الإسلامي والحزبية في الإطار الغربي ، لأن الحزبية أو الليبرالية الغربية إبداع غربي أبدعه الغربيون طبقاً لظروفهم المكانية والحضارية ... الخ., وكان من الأولى أن نبدع كمسلمين نظاماً تعددياً مناسباً لنا، وهو ما نسميه بالشورى.
4- الشبهة الرابعة – أن المناداة بالتعددية نوع من مجاراة الواقع:
المعادين للحل الإسلامي يشككون في صدق التعددية في الإسلام ويتهمون من يقول بذلك بأنه نوع من مجاراة الواقع والممالئة لخداع الرافضين للحل الإسلامي كما تردد بعض الجماعات الإسلامية الرافضة للتعددية في الإسلام – ممن يضيقون واسعا – بأن مقولة التعددية في الإسلام نوع مجاراة الواقع بتقديم تنازلات دينية
المسألة تحتاج إلى بعض من التفصيل: ونحن نتعامل مع مسألة التعددية يجب أن نعلم أننا لسنا وحدنا في المجتمع وهناك أطر ونظم وهناك قواعد ودستور يحكم هذا المجتمع وعلينا أن نتعامل مع هذه الثوابت الموجودة في المجتمع، شريطة ألا نقدم أية تنازلات وألا نرضى بالدنية في ديننا وألا نخالف المساحة قطعية الثبوت قطعية الدلالة, صحيح أن هناك ضرورة لأن يكون هناك اجتهاداً للتفاعل مع الواقع المعاش حتى يبقى للدين حيويته وديمومته ولكن شريطة ألا نقدم أية تنازلات في ديننا، هنا يمكن للبعض أن يقول إنها نوع من الممالئة ومسايرة ما هو قائم, نقول هذا غير صحيح.. نحن علينا أن نساير الواقع ونتفاعل معه بل ونتماشى مع ما هو قائم طالما لا نقدم أية تنازلات في ديننا، وفي نفس الوقت يجب أن يكون لدينا تصوراً كاملاً شاملاً إذا قضى الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك حكماً إسلامياً حتى نكون مؤهلين لنطبق الإسلام بشكل صحيح أو بشكل نظنه صحيحاً.
وإذا انتقلنا بالتعددية من المستوى الوطني – والتي أثبتنا فيها إمكانية وجود اجتهاد واختلاف في الفتوى وإمكانية وجود تعددية داخل الإطار الإسلامي على المستوى الوطني رغم أن المكان مكان واحد في نفس الزمان ونفس الحال - فهل يمكن أن يكون هناك تعددية على المستوى العربي والمستوى الإسلامي؟ بالقطع فإنه من باب أولى أن نقبل بالتعددية في المستوى الإقليمي الذي يختلف باختلاف المكان والخصوصية الحضارية.
5 – رفض التعددية وإخراج المخالفين من الملة: خطورة رفض التعددية في الإسلام أن البعض عندما يجد خلافا مع آخرين داخل الصف المسلم ولا يفهم إمكانية وجود هذا الخلاف يخرج إخوانه المخالفين من الملة ويصفهم بأوصاف لا تليق, في حين أن هناك قاعدة إسلامية (أن نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه), هذه القاعدة الذهبية وضعها الإمام (محمد رشيد رضا) وأكد عليها الإمام (حسن البنا).
وهناك مجتمعات مسلمة خارج الدائرة العربية والتي كثيرا ما تكون اللغة عائقا لهم عن الفهم الصحيح للإسلام مما قد يؤدي إلى وجود بعض الخلل الديني في إيمانهم وفي تطبيقهم للإسلام فهل نملك ترف إخراجهم من ملة الإسلام رغم أن أعدادهم بالملايين أم الأفضل أن نأخذ بأيديهم حتى نصل بهم وبأنفسنا إلى بر الأمان, قبل أن نتحدث عن قبول الآخر علينا أن نعذر مخالفينا داخل الصف المسلم حتى يجمعنا الله وإياهم على صحيح إسلامه.
خلاصة القول البديل للتعددية هو الرأي الواحد, والرأي الواحد يؤدي إلى الاستبداد وهو ما يرفض إسلامياً، والدليل على هذا قول إمامنا الفقيه الشافعي أن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي الآخرين خطأ يحتمل الصواب.. إذن التعددية في الفقه والفكر الإسلامي أمر مشتهر ولم يحدث أن أحداً من الفقهاء أقر أن رأيه هو الرأي الوحيد الصواب.
*****
بين الشورى والديموقراطية
إذا انتقلنا إلى قضية (الشورى) نجد أن الآية الكريمة { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } أي أن دليل الاستجابة لله تعالى (إقامة الصلاة وإعمال مبدأ الشورى والإنفاق في سبيل الله) أي أنه سبحانه ساوى بين الصلاة والإنفاق والشورى وهذا يؤكد أن الشورى أصل إسلامي عظيم وصحيح, ثم أن الأمر القرآني في سورة الشورى للرسول صلى الله عليه وسلم - الذي يوحى إليه - أمر واضح لا يحتمل أي تأويل ولا يحتمل أن يكون ظني الدلالة { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ } , وقال الشهيد عبد القادر عودة:"إن نظام الحكم الوحيد الذي يعرفه الإسلام هو الحكم القائم على دعامتين: إحداهما طاعة الله واجتناب نواهيه، والثانية: الشورى، أي أن يكون أمر الناس شورى بينهم، فإذا قام الحكم على هاتين الدعامتين فهو حكم إسلامي خالص، وليُسمَّ بعد ذلك: الخلافة والإمامة. فكل هذه تسميات لا غبار عليها. أما إذا قام على غير هاتين الدعامتين فهو حكم لا ينسب للإسلام". ,ورتب العلماء على ذلك أن من ترك الشورى من الحكام فعزله واجب دون خلاف .
الشورى بالنص القرآني فريضة إسلامية واجبة وهي فريضة على الحكام وعلى المحكومين في آن واحد، على الحاكم أن يستشير المحكومين في كافة أمور الحكم والإدارة والسياسة والتشريع وما يتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة (مصلحة الأمة), وعلى المحكومين أن يشيروا على الحاكم بما يرونه في هذه المسائل كلها, سواء استشارهم الحاكم أو لم يستشرهم أي أنه على المحكومين أن يقوموا بهذا الدور وإلا أثمت الأمة.
مفاهيم أساسية
1- الشورى سابقة على التشريع:مكث الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاما وفي المدينة عشرة أعوام.. أغلب الآيات المكية كانت في العقيدة، فما الذي كان يحكم المجتمع المسلم في مكة المكرمة؟ إنها الشورى؛ لأن آيات التشريع في مكة كانت محدودة وقليلة لحكمة قدرها سبحانه وتعالى في التدرج في التشريع، فلقد كانت المهمة الأولى في المجتمع المسلم تثبيت العقيدة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه أو يقر بالعرف الذي لا يتعارض مع الإسلام أي أن الشورى كانت سابقة على التشريع.
2- الاستشارة: الاستشارة غير الشورى, فمن المعروف أن دساتير الدول تعطي لرؤساء الدول صلاحيات محددة وهكذا كان الحال في عهد الخلافة والتي كان لها صلاحيات محددة, فإذا جاء ولي الأمر واستشار البعض من مستشاريه أو غيرهم في أمور تدخل في نطاق صلاحياته فإن هذه استشارة - وهي معلمة للحاكم غير ملزمة - على عكس الشورى التي يشاور فيها ولي الأمر الأمة - فيما هو خارج نطاق صلاحياته التي يقرها له الدستور أو تقرها له البيعة.- وهي ملزمة له.
3- نطاق الشورى: المساحة قطعية الثبوت قطعية الدلالة - والمحددة بالنصوص القطعية والمقاصد الكلية للشريعة والقواعد الشرعية أو الفقهية الحاكمة - لا تحتمل الاجتهاد وبالتالي لا توجد شورى في هذه الدائرة, لكنها قد تحتمل الاجتهاد في التنفيذ, بمعنى أنه من الممكن أن نجتهد في آلية تنفيذ قطعي الثبوت قطعي الدلالة, فالشورى مثلا من الأمور قطعية الثبوت قطعية الدلالة التي لا تحتمل الاجتهاد لكن آلية تنفيذها تحتمل الاجتهاد، آلية إعمال الشورى التي كانت على عهد رسولنا الكريم والخلفاء الراشدين ربما لا تناسبنا الآن كآلية لزيادة أعداد المسلمين واتساع المجتمع المسلم وتغير الشكل السياسي للدولة المسلمة.
الفروق الجوهرية بين الشورى والديمقراطية
1 - الشورى نظرية وآلية، والديمقراطية كذلك
الشورى والديمقراطية لكل منهما نظرية حاكمة وآلية في التطبيق - إذا جاز أن نستخدم المصطلحات العلمية الحديثة _ فالشورى لها بعدها النظري ولها آلية للتطبيق وأيضاً الديمقراطية نظرية ولها آلية للتطبيق.
الديمقراطية كنظرية مُخالِفة لنظرية الشورى كما سنوضح فيما يلي، لكن الديمقراطية كآلية (كصندوق انتخابات أو غيره) هي آلية ربما تكون مطلوبة لإعمال مبدأ الشورى.
البعض يعتبر أن صندوق الانتخابات هو الشكل الوحيد لإعمال الديموقراطية, ولكنه حتى وإن لم يكن الشكل الوحيد فإنه آلية هامة لإعمال مبدأ الشورى إلى أن يبدع العقل المسلم أشكال وآليات أخرى قد تكون متوازية مع صندوق الانتخابات وقد تكون متكاملة معه وقد تكون هي البديل, كل هذا في مساحة الاجتهاد الذي يسمح به الإسلام.
وإذا كانت الديمقراطية هي صندوق الانتخاب أو تمثيل الشعب في البرلمان, ففي عهد الرسالة والخلافة كان من الممكن أن يستفتى المسلمون في المساجد أو أن يستشار أهل الحل والعقد, كل هذه آليات, والآليات (صندوق الانتخابات أو غيره) هي وسائل اجتهادية لتحقيق مقصد شرعي صحيح وهو الشورى
2- الشورى ليست مطلقة على عكس الديمقراطية لأن الشورى مقيدة بنطاق الشورى والذي يحدده نصوص التشريع الإسلامي في المساحة القطعية كما يحدده المقاصد الكلية للشريعة والقواعد الشرعية أو الفقهية الحاكمة, هذه المساحة لا شورى ولا استشارة فيها لأنك لن تستشر فيما فيه نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة كما أنه لا يجوز الشورى فيم يخالف المقاصد الكلية للشريعة؛ لأن هذا يخرج عن نطاق البشر فليس فيه مجال للشورى، أي أن الشورى ليست مطلقة، بل هي في المساحة الظنية ولا تتعداها.
على العكس من هذا الديمقراطية: الديمقراطية مطلقة، وتستفتي الناس في كل شيء، وهناك العرف ربما هو الاستثناء أو القواعد الدستورية التي يقولون أنه ليس معها استفتاء, أي أن العرف والقواعد الدستورية يشكلان نطاق الديموقراطية وإن كان نطاق محدود جدا ويمكن أن يتغير تبعا لتوازنات القوى في الدولة, فرق كبير بين النطاقين -إذا جاز أن هناك نطاق للديمقراطية - فيمكن أن يكون هناك ممارسة ديمقراطية حول حق الشذوذ أو حق اللواط أو إباحة الإجهاض أو الربا أو التفريط في الأرض لدولة أخرى, هذه الأمور كلها لا يمكن أن تدخل في نطاق الشورى, هل يمكن أن يستفتي الشعب السوري في التنازل عن الجولان؟ أو هل يمكن أن تستفتي الأمة الإسلامية في التنازل عن القدس باعتبار أن الشورى هي الديمقراطية؟ وبأغلبية الأصوات هل يمكن عمل وحدة مع الكيان الصهيوني؟
هناك نطاق محدد للشورى على عكس الديمقراطية غير المقيدة بأي نطاق, وهذا هو الفارق الجوهري الكبير بين الشورى وبين الديمقراطية.
3 - إقرار مبدأ الشورى ليس مرتبطاً بحال الجماعة أو مدى رقيها أو مدى تقدمها, الشورى لا تعرف ديمقراطية الجرعات, فالشورى كانت في المجتمع المسلم بمكة قبل أن تنزل آيات التشريع كما أشرنا برغم بدائية مجتمع مكة المسلم وضعفه وبرغم تنزل الوحي على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم, هل منع هذا إعمال مبدأ الشورى؟ كلا لم يمنع هذا إعمال مبدأ الشورى, العكس هو الصحيح إعمال مبدأ الشورى هو الذي يرقى بالمجتمعات ويخلق نوعا من المشاركة والانتماء للوطن والدين أي هو الذي يرقى بالمجتمعات أي أن هذه الحجة (ديمقراطية الجرعات) مردود عليها.
4- ارتباط الديمقراطية بمصلحة الأغلبية وإن جار على حق الأقلية: تهدف الديمقراطية إلى تحقيق مصالح الطرف الأقوى على عكس الشورى التي يجب أن تقوم على الإخلاص والتجرد. المصالح الشخصية يمكن أن تكون في الديمقراطية والتي لا تتناقض مع الميكيافيلية "الغاية تبرر الوسيلة" وهو ما ليس موجودا في الفكر والفقه الإسلامي بل يؤثم من يقوم به. كما أن الشورى في الإسلام يجب ألا تتعارض مع حقوق الأقلية السياسية أو الدينية أو العرقية فالشريعة توفر الحماية للجميع.
يقول ابن القيم في "إعلام الموقِّعين" في فصل سماه فصل وجوب تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والعرف والحال والنيات، إلى آخره، وقال في مقدمة هذا الفصل: اعلم أن الشريعة عدل كلها، رحمة كلها، مصلحة كلها، حكمة كلها، وأي مسألة خرجت فيها من العدل إلى الجور أو من المصلحة إلى المفسدة، أو من الحكمة إلى العبث، أو من الرحمة إلى ضدها، فليست من الشريعة في شيء، وإن أُدخلت فيها بالتأويل.
قواعد حاكمة للشورى
1- قاعدة الشورى حق مقرر للحكام والمحكومين وليس أحد منهم أحق من الآخر فيها:
على كل من الحاكم والأمة السعي لإعمال مبدأ الشورى, فعلى الحاكم أن يستفتي الأمة في كل أمر يهم المسلمين وفيه مصلحة الأمة، والعكس صحيح على كل فرد من الأمة أن يبدي رأيه فيما يتصور أنه يفيد صالح هذه الأمة؛ لأن هذا أمر واجب على الحاكم "وشاورهم في الأمر" فإذا لم يعرض الحاكم الأمر على الأمة فإنه يكون قد أخل بواجباته, وعلى الأمة أن تطلب منه إعمال هذا الحق, وإذا لم يفعل الحاكم هذا الحق يجوز للأمة أن تخرج عليه لأنه لم يلتزم بأمر قرآني صريح وواضح بإعمال مبدأ الشورى.
2- قاعدة وجوب قيام الشورى على الإخلاص لله دون النظر للمصالح الشخصية:
أي أن الشورى يجب أن تتسم بالتجرد؛ لأن هذا إعمال لمبدأ قرآني وإعمال لأمر الله سبحانه وتعالى, والالتزام بالأمر الإلهي يستوجب الإخلاص والتجرد بما يتنافى مع تحقيق أية منافع شخصية, وإن لم يقم الحاكم بها مخلصا ومتجردا فسيأثم وسيسأله الله سبحانه وتعالى
أشرنا إلى أن الأمة يجب أن تعمل مبدأ الشورى إذا لم يقم الحاكم بذلك, ويجب أن توجد الجماعة التي تدعوا لهذا وإلا تأثم الأمة كلها, فإذا كان إعمال الشورى فرض كفاية على الأمة كلها فإنه فرض عين على الجماعة الصغيرة المؤهلة للقيام بمثل هذا الدور، وإذا لم تقم به فهي آثمة لأن ذلك فرض عين عليها وعلى كل فرد عنده إمكانية القيام بهذا الدور.
3- قاعدة أن الشورى لا يمكن أن تقوم على كذب أو غش أو خداع:
وإذا قامت على ذلك فهي باطلة, فإذا أعملت الشورى واستندت إلى غش أو خداع أو كذب تصبح باطلة، فمثلا إسقاط الحزب الحاكم لمخالفات وغرامات المباني في مواسم الانتخابات بهدف شراء الأصوات نوع من الرشوة, أيضا تزوير الانتخابات من أقصى مراتب الغش والخداع, ولا يصح أن يكون هذا في الشورى لأن هذه الأشياء محرمة لذاتها في الإسلام, فالغش والتزوير والكذب حرام فما بالنا إذا اقترن بالشورى فإن ذلك نوع من الخيانة للأمانة، فإضافة إلى أن من يقوم بذلك كاذب وغشاش ومخادع فهو خائن أيضاً لأنها خيانة للأمانة التي على المسلم أن يؤديها.
هنا قد يردد البعض أن الديمقراطية في الغرب لا تعرف الغش والتزوير والخداع, نذكر هؤلاء بفضيحة ووترجيت على عهد نيكسون وفضيحة تزوير الانتخابات لبوش الابن في مواجهة آلجور, فحديث تزوير الانتخابات في الغرب أمر مشتهر ولا يخفف منه سوي التزوير الفاضح الذي يقوم به الحكام المستبدون في عالمنا العربي والإسلامي.
وعكس الكذب والغش والخداع أن يستفتى الناس على بينة ووضوح, فإذا كان للمسألة جانب تخصصي فمن الواجب استشارة المتخصصين وتقليب الأمر على وجوهه المختلفة وعرض كل ذلك على الأمة, وبعد ذلك تستشار الأمة ويعمل مبدأ الشورى وما تجمع عليه الأغلبية يؤخذ به.
4- قاعدة أن الغالب في رأي الأغلبية أن يكون هو الرأي الصواب والواجب الاتباع:
ليس من الضروري أن يجمع أهل الرأي على رأي واحد.. وإنما الرأي ما اتفقت عليه أكثرية المشيرين بعد تقليب وجوه الرأي ومناقشة المسألة المعروضة من كـل وجوهها.. وربما صح عقلا أن يأتي رأي الأكثرين خاطئا ورأي الأقلين صوابا.. ولكن هذا نادر.. والنادر لا حكم له وخير مثال على ذلك ما حدث في غزوة "أحد", فالرسول صلى الله عليه وسلم كان مع موقف الأقلية التي رفضت الخروج من المدينة ولكنه عندما أعمل مبدأ الشورى كانت الأغلبية مع الخروج, والتزم الرسول صلى الله عليه وسلم برأي الأغلبية وخرج المسلمون على الرغم من أن رأي الأغلبية لم يكن هو الرأي الصواب.
وحديث رسولنا الكريم (‏إن الله لا يجمع أمتي‏ ‏أو قال أمة ‏‏محمد ‏صلى الله عليه وسلم ‏‏على ضلالة ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ ‏إلى النار) يشير إلى أهمية إعمال رأي الأغلبية فغالباً ما يكون رأي الأغلبية هو الرأي الصواب طالما أن الأغلبية على الفطرة, ولكن عندما يتم غسيل مخ الأغلبية بأجهزة الإعلام والفيديو كليب والكاسيت الذي ينحط بالذوق العام وأفلام المقاولات – والذي لا يغيب دور الحلف الصهيوني الأمريكي فيه - فأين الفطرة هنا؟ الفطرة تكون قد ضاعت, فعندما تستفتي هؤلاء الناس اللذين شوهت فطرتهم فلا يشترط هنا أن يكون رأي الأغلبية هو الرأي الصواب، طالما أن الفطرة ليست الفطرة السليمة وإن كان هذا لا يبرر عدم احترام رأي الأغلبية فاحترام رأي الأغلبية واجب.
هذه المسألة فيها رواية مشهورة عن الدكتور حسن الترابي وقت أن كان مشاركا في حكومة الرئيس النميري والتقى بالرئيس الأمريكي كارتر والذي فاوض الشيخ الترابي: ما رأيك في أن نحل مشكلة جنوب السودان على أن تصرفوا النظر عن قضية تطبيق الشريعة؟ ورغم أن المفاوضة فيما لا يجوز التفاوض فيه حيث أنه من المعلوم من الدين بضرورة إلا أن الترابي أجابه بذكاء: أنت رئيس أكبر دولة ديمقراطية في العالم,ما رأيكم في أن نستفتي الناس في مبدأ تطبيق الشريعة؟ فإذا قالوا نطبق الشريعة نلتزم برأي الأغلبية، وإذا قالوا لا نطبقها ننظر إلى مسألة جنوب السودان ونحن سنحترم رأي الغالبية وإن خالفنا, لأن ذلك يعني أننا لم نستطع تربية الناس وعلينا أن نعود إلى المساجد مرة أخرى حتى نحسن التربية.
5- قاعدة أن تكون الأقلية التي لم يؤخذ برأيها هي أول من يسارع إلى تنفيذ رأي الأكثرية:
وخير مثال على ذلك كما أشرنا هو ما حدث في غزوة "أحد", فرغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان مع موقف الأقلية التي رفضت الخروج من المدينة إلا أنه التزم برأي الأغلبية على الرغم من أن رأي الأغلبية لم يكن هو الرأي الصواب.
بعض الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام حول تطبيق الشورى
1 - يربط خصوم الإسلام بين الحكم الإسلامي وبين تكريس الاستبداد السياسي في يد الحكام تارة وفي يد الحكومة الدينية تارة أخرى, نقول لهم:
أ - إن الخلافة الإسلامية التي قامت على الشورى هي الخلافة الإسلامية الراشدة، والفرق بينها وبين ما تلاها في عهد الدولة الأموية والعباسية هو الملك العضود – وإن كان نمط الملك العضوض هو النمط السائد في هذا العصر في الإمبراطوريات الفارسية واليونانية والرومانية - فالخلافة الراشدة قامت على مبدأ الشورى والدولة الأموية والعباسية قلصت من مبدأ الشورى لحساب سلطات الملك العضوض وهذا هو الفارق الجوهري.
لقد كانت أهم ظاهرة ميزت الشورى في عهد الراشدين هي تمتع الصحابة بقدر كبير من حرية المناقشة والحوار "والمعارضة" وكلن الحوار بين الصحابة يجري بصورة علنية فيها أكبر قدر من الحرية والجرأة , هذه الحرية الكاملة والجرأة على الخلفاء تراخت بعد ذلك في عهود الخلافة الناقصة في مجال الحكم والسياسة لأن الخلفاء استولوا على الحكم بالقوة ولم يفسحوا المجال للمعارضة السياسية, أو الحوار الدستوري في شئون الحكم والسياسة, ويدعي البعض أن الخلافة الناقصة منذ عهد الأمويين قد عطلت الشورى تماما وهذا خطأ في نظرنا, لأنهم يتجاهلون أن التعطيل كان محصورا في نطاق البيعة ونظام الحكم أما الشورى في مجال الفقه فلم تنقطع إلا في العصور الحديثة بسبب تجميد الفقه والاعتماد على القوانين الوضعية المستوردة.
ب - مسألة الحكومة الدينية: الإسلام لا يعرف الحكومات الدينية، فالحكومة الدينية هي حكم رجال الدين والإسلام لا يعرف رجال الدين بل يعرف علماء المسلمين, وأيضا لم يختار رسولنا الكريم خليفته من بين علماء الدين أو من أكثرهم علماً فلم يختر علي بن أبي طالب على فقهه وحكمته ولم يختر أحد عبيد الله (عبد الله بن عباس أو ابن عمر أو ابن مسعود) وهم المتخصصون في التفسير أو السنة والحديث أو في التلاوة فالإسلام لا يعرف حكم رجال الدين ولا حتى حكم علماء الإسلام.
2 - السيادة للشعب في النظام الديمقراطي وهو ما يفتقد في نظام الشورى:
هذا القول مردود عليه: والمثال الواضح في ذلك هو في ولاية عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فالواقعة معروفة, فأمير المؤمنين عمر بن الخطاب الخليفة الثاني رضي الله عنه أوصى بالخلافة لأحد من ستة وإذا اختلفوا يؤخذ رأي عبد الله بن عمر وعلى ألا يكون ابن عمر من بينهم, فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الستة شريطة أن يرتضوا حكمه, وجاب الأمصار والبلاد والمساجد فوجد أن هناك إجماعا على علي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان رضي الله عنهما، فذهب إلى علي في المسجد وقال له أمام الناس "هل تبايعني أن تأخذ بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذهب إليه الشيخان أبو بكر وعمر", فقال علي: آخذ بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اجتهد ورأيي, فلم يبايعه عبد الرحمن بن عوف, ثم اشترط على عثمان بن عفان نفس الشرط: "هل تبايعني أن تأخذ بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذهب إليه الشيخان أبو بكر وعمر" فقال عثمان: نعم.
أي أن "الإمامة أو الخلافة ليست إلا عقدا طرفاه الخليفة من ناحية وأولو الرأي في الأمة من الناحية الأخرى, ولا ينعقد العقد إلا بإيجاب وقبول" بين الأمة وبين ولي الأمر, هذا العقد يعطي مساحة لولي الأمر ليتصرف وشأنه وهو ما يعرف بالسلطات المخولة لرئيس الدولة والتي ينص عليها في دستورها، ومساحة أخرى يلزم أن يستشير فيها الحاكم الأمة.
وما أقامت الجماعة الخليفة إلا ليكون نائبا عنها، وما استمد ولا يستمد سلطانه إلا من نيابته عن الجماعة التي أقامته والتي تملك حق مراقبته ومنعه من الخروج على حدود نيابته
أي أن الأمة هنا هي مصدر السلطات هي التي بايعت ولي الأمر على شروطها وهي التي أعطته الصلاحيات وهي التي تلزمه بعدم الخروج عنها, فسيادة الشعب هنا كاملة غير منقوصة, بل من حق الأمة الخروج على الحاكم إذا خرج عن عهده معها, ولنقرأ معا هذا العقد بين خليفة رسول الله الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وبين الأمة في خطابه للأمة عندما بايعته متضمنا سبعة شروط للتعاقد :
"أيها الناس,( مخاطبا كل الناس مؤمنين وكافرين, مسلمين ومسيحيين ويهود, عرب وكرد وفرس كل الناس – كل أبناء الأمة - ودون استثناء).
1. إني وليت عليكم ولست بخيركم (ليس إلها أو نصف إله رغم أن إيمانه يزن إيمان أمة)
2. أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم (يدعو إلى عصيان مدني)
3. فإن رأيتموني على الحق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فقوموني وفي رواية فسددوني (يدعو الأمة للخروج عليه إذا سلك طريق الباطل)
4. الصدق أمانة والكذب خيانة
5. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له
6. ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بذل
7. ولا تشيع الفاحشة في قوم قط حتى إلا عمهم الله بالبلاء
إلى المشككين والمتحججين هل هناك سيادة وسلطات للأمة أكبر من تلك التي بايع خليفة رسول الله عليها أمته؟
3 – شبهة أن رسولنا الكريم لم يشاور إلا في الغزوات:
وهذه فرية ربما بحسن نية لأن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أفردت مساحة كبيرة لغزواته, وإما فرية بسوء نية من أعداء الإسلام, والصحيح أن الرسول الكريم شاور أصحابه في غزوات بدر وأحد والخندق إلى آخره, إلا أنه أيضا شاور في صلح الحديبية, بل شاور في أخص خصوصيات بيت النبوة ففي غزوة بني المصطلق وقع حديث الإفك وأبطأ الوحي في براءة عائشة - رضي الله عنها -، فشاور الرسول - صلى الله عليه وسلم - علياً بن أبي طالب, وأسامة بن زيد، فيما رمى أهل الإفك عائشة، فأما أسامة فأشار بالذي يعلم من براءة أهله، وأما علي فقال: لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، واسأل الجارية تصدقك"
4 – شبهة أن الشورى معلمة وليست ملزمة:
هنا يشكك البعض في أن الشورى في الإسلام معلمة وليست ملزمة, ونقول لهم كيف لا تكون الشورى ملزمة وقد التزم الرسول صلى الله عليه وسلم برأي الأغلبية في غزوة أحد وخرج المدينة على الرغم من أن رأي الأغلبية لم يكن رأيه ولم يكن الرأي الصواب؟, حتى أن {وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} نزلت بعد هذه الغزوة تأكيداً لمبدأ الشورى رغم رأي الأغلبية لم يكن رأي رسولنا الكريم ولم يكن الرأي الصواب!!!, والذي يجعل هذه الشبهة تتردد أن الكثير من الفصائل الإسلامية لا تزال ترى أن الشورى معلمة على غير ما سنوضح.
وقد أوضحنا أن الإمامة عقد بين الأمة وبين ولي الأمر, وأوضحنا أن الاستشارة غير الشورى, فمن المعروف أن دساتير الدول تعطي لرؤساء الدول صلاحيات محددة وهكذا كان الحال في عهد الخلافة والتي كان لها صلاحيات محددة, فإذا جاء ولي الأمر واستشار البعض من مستشاريه أو غيرهم في أمور تدخل في نطاق صلاحياته فإن هذه استشارة, وهذه الاستشارة معلمة لولي الأمر يأخذ بها أو لا يأخذ لأنها في إطار التفويض والصلاحيات الذي أعطته إياه الأمة ومن حقه أن يأخذ القرار الذي يراه مناسبا, على عكس الشورى التي يشاور فيها ولي الأمر الأمة فيما هو خارج عن نطاق صلاحياته التي يقرها له الدستور أو تقرها له البيعة وبالتالي فإن الشورى تكون ملزمة له.
المثال على ذلك أن رئيس الدولة له الحق في التوقيع على صفقات السلاح بقرار من مجلس الشعب, فإذا استشار الناس لعقد هذه الصفقة أم لا فهذه استشارة, وله أن يأخذ بها أو لا يأخذ بها.
خلاصة القول أن الاستشارة من حق ولي الأمر فهي معلمة له يأخذ بها أو لا يأخذ بينما الشورى من حق الأمة وهي ملزمة له وللأمة للأغلبية التي أقرتها وللأقلية التي رفضتها.
وإذا كانت الشورى ملزمة والشورى حق للشعب فإن الشعب يكون بهذا مصدر السلطات, وطالما أعطى الدستور للحاكم سلطات وصلاحيات معينة فله أن يتحرك فيها، ولكن خارج هذه السلطات والصلاحيات التي يمنحها الدستور الذي ارتضته الأمة فعليه أن يشاور الشعب ويلتزم بما يذهب إليه الشعب.
والإمام أو ولي الأمر إذا أراد أن يستعفي من منصبه يجب أن يرجع إلى الأمة لأن الأمة هي التي اختارته, وبالتالي فإن سلطة الشعب هي سلطة معتبرة في الشريعة الإسلامية

1. الحجرات 13
2. د. يوسف القرضاوي, الشريعة بين الثابت والمتغير, موقع القرضاوي - 29 إبريل 2007
3. د. يوسف القرضاوي, المرجع السابق
4. د. يوسف القرضاوي, المرجع السابق
5. رواه أحمد وأبو داود
6. الشورى 38
7. آل عمران 159
8. عبد القادر عودة : الإسلام وأوضاعنا القانونية، ص 77
9. 9 تفسير القرطبي – جـ 4 - ص 249:251 - & مفاتيح الغيب للرازي – جـ3 – ص 120:122
10. عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، المختار الإسلامي، 1991، ، ص:206
11. ابن القيم - إعلام الموقِّعين
12. عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، المختار الإسلامي، 1991، ص:212:217
13. عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، المختار الإسلامي، 1991، ص- (201-202).
14. سنن الترمزي, من حديث ‏أبو بكر بن نافع البصري ‏حدثني‏ ‏المعتمر بن سليمان ‏حدثنا ‏سليمان المدني‏ ‏عن‏ ‏عبد الله بن دينار‏ ‏عن ‏ابن عمر
15. دكتور توفيق الشاوي – فقه الشورى والاستشارة – دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع – المنصورة – ط2 – 1992 – ص 138:139
16. ابن الأثير – الكامل لابن الأثير – جـ2 – ص 27:32
17. عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، المختار الإسلامي، 1991، ص:156
18. عبد القادر عودة، الإسلام وأوضاعنا السياسية، المختار الإسلامي، 1991، ص:187
19. ابن الأثير - الكامل في التاريخ – جـ 1 – ص 332 & ابن كثير – البداية والنهاية – جـ 5 – ص 248 & سيرة بن هشام – مجلد 2 – ط 22 – ص 661 & أحمد زكي صفوت – جمهرة خطب العرب – جـ 1 – ص 180
20. إبراهيم بن إبراهيم قريبي / مرويات غزوة بني المصطلق / 234- 261.

4/28/2011

بين الدولة المدنية والدولة الدينية


بين الدولة المدنية والدولة الدينية
د. مجدي قرقر

صالون الدكتور شريف الهجان ”مستقبل مصر“
القاهرة - 8 إبريل 2011

http://www.4shared.com/document/Ooxu-kkN/____.html

تكملة المقال

12/25/2010

حضور كبير فى حفل توقيع كتاب مجدى أحمد حسين: "كيف تدخل الجنة؟"



التاريخ: 25/12/2010

مجدى قرقر: وكأن مجدى حسين قد دخل السجن كى يوضح لأقرانه الطريق لدخول الجنة
عبد الحميد بركات: هناك فرق كبير بين التوكل و التواكل
محمد عبد القدوس: نقيب الصحفيين لم يبذل محاولة واحدة لزيارة مجدى حسين فى السجن
ضياء الصاوى: التمكين لدين الله ومقاومة مبارك وفساده أمر من أمور الدين

كتب: أبو المعالى فائق وفاطمة الوكيل - موقع العمل

بالتعاون مع اللجنة الشعبية للتضامن مع المجاهد/ مجدى حسين استضافة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين مساء الخميس حفل توقيع كتاب "كيف تدخل الجنة؟" للمجاهد الأسير مجدى أحمد حسين, وفى بداية اللقاء أكد محمد عبد القدوس رئيس لجنة الحريات بالنقابة أن تلك الندوات واللقاءات التى تستضيفها أو تنظمها لجنة الحريات بالنقابة لمناقشة كتب مجدى أحمد حسين هى جزء ضئيل من حقه على النقابة بإعتباره صحفى كبير وعضو سابق لمجلس نقابة الصحفيين, كما أقر محمد عبد القدوس تقصير نقابة الصحفيين فى حق مجدى حسين قائلا أن نقيب الصحفيين لم يبذل أى مجهود أو محاولة لزيارة مجدى فى السجن منذ حبسه بمقتضى الحكم العسكرى بعد زيارته التضامنية لغزة فى أعقاب الغزو الأخير عليها فى شهر يناير 2009. وكأن مجدى حسين دخل السجن كى يوضح لأقرانه الطريق لدخول الجنة
وقد قام بعرض الكتاب الدكتور "مجدى قرقر" الأمين المساعد لحزب العمل والأستاذ بكلية التخطيط الإقليمى والعمرانى بجامعة القاهرة وقد بدأ الدكتور "قرقر" بالتعريف بالكتاب،حيث قال: هذا الكتاب هو مجموعة - رسائل الإيمان التى كتبها المجاهد "مجدى حسين" خلف الأسوار،وقد بلغ مجموع تلك الرسائل من قرابة الستين رسالة كتبها فى غياهب السجون بفهم صحيح للإسلام المفعم بالإيمان،موضحا والحديث هنا للدكتور "قرقر" أن الجنة هى أمل وحلم كل مؤمن فى الدنيا..لكن هذه الجنة لابد لها من عمل لنصل إليها،إلا أن زحمة الحياة تجعلنا ننسى هذا الهدف الأسمى وهو الخلود فى النعيم،وأوضح الدكتور "قرقر" فى عرضه للكتاب أن الوصول للجنة ليس بالأمر الهين ولا بمجرد النطق بالشهادتين كما يروج البعض ..لكنه بالإصرار والتصميم والتخطيط لبلوغه،وقد تعرض الكتاب لأهم مشكلة تواجهنا فى الحياة هى التى تشغلنا عن صحيح الإيمان وأراد المؤلف أن يواجه تلك التحديات التى من أهمها:
* النزعة الاستهلاكية التى تحاكى الغرب.
* الوقوع فى أسر القيم الغربية.
* المفاهيم الخاطئة التى يروجها وعاظ السلاطين والتى تتستر على الظالمين والمستبدين وقوى الطغيان داخليا وخارجيا.
كذلك من الأشياء التى تعرض لها المؤلف فى كتابه هى تلك الفتاوى التى قد تؤدى إلى البعد عن صحيح الإيمان مثل:
* الترويج بأن نطق الشهادين فقط يكفى لدخول الجنة الأمر الذى يبعث على التواكل دون العمل،والاستكانة للظلم،والتخلى عن مقاومة الظاليمن.
*أيضا الترويج لقضية الجهاد وهى فقط لا تتم إلا من قبل الحاكم.*
*أيضا التغاضى عن فكرة الإصلاح رغم أنه أساس الدين "إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت"
وقال الدكتور "قرقر" فى عرضه لكتاب "كيف تدخل الجنة" إن أهم ما يميز هذا الكتاب أنه قام بعملية حصر لكل الآيات القرآنية المتعلقة بالجنة موضحا أن دخول الجنة مرهون بالإيمان المقترن بالعمل،وأن الإيمان النظرى والعملى كسبيكة واحدة هما الطريق إلى الجنة،وكان هذا عرضا للفصل الأول وقد أكمل الدكتور "قرقر" عرض الفصل الثانى الذى مثل فيه العلاقة بين الإنسان وخالقه كالتعاقد لعمل ما فالمتعاقد يبذل قصارى جهده حتى يستحق الراتب المجز المتعاقد عليه،والله أحق بهذا الجهد والبذل،وأن كل الكتب السماوية تحدثت عن هذا المعنى موضحا بعض الآيات القرآنية وكذلك بعض ما جاء به السيد المسيح حينما طالب الناس أن تتعامل مع الإيمان بنفس طريقة تعاملهم مع تفصيلهم سراويلهم،موضحا أن الاتزام بالعقد مع الله هو الأحق لا سيما وأن الله وصفها بالصفقة التجارية مثبتا ذلك بقول الحق : "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم... إلى آخر الآية" التوبة 111 ذاكرا أن الإخلال بالعقد لم ولن يكون من جانب الله ،بل الإخلال دائما يكون من جانب الإنسان "ومن أوفى بعهده من الله" وحتما فى حالة الالتزام بالعقد سيكون الثمن هو الخلود فى الجنة وهنا تكون الصفقة رابحة مقابل ثمن زهيد بحسابات الدنيا فقد يكون هذا الثمن أياما أو شهورا أو سنوات وكلها مهما طالت فهى قصيرة مقابل الخلود الأبدى فى الجنة ونعيمها،وهذه السنوات ووفقا للحسابات الرياضية فإنها قيمة زمنية لا نهائية،ولا يدرك هذا إلا من يعقل ومن يفقه وهنا وصف الله سبحانه المؤمنين بأنهم قوم يعقلون وأيضا قوم يفقهون فى حين أن الوصف المعاكس للمؤمنين وهم الكافرون بأنهم قوم لا يفقهون ولا يعقلون،ومن رحمة الله بالعباد أنه لم يجعل الدنيا دار شقاء على رغم قصرها بل فيها جوائز يشعرها من ذاق حلاوة الإيمان كالصبر عند المؤمن حتى يصمد أمام متقلبات الحياة ويلى هذا الصبر البشرى بالنصر فضلا عن ملذات الحياة فى دائرة المشروع وكما أن للمؤمنين جوائز وبشريات فأيضا لغير المؤمنين العنت والعذاب والألم (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون).
وفى ظل هذا العرض الوافى للكتاب قال الدكتور "قرقر" لكن تظل هناك تيارات معاكسة قد تفتن المؤمن،فالذى لم يراع ضميره فى التجارة أصبح أكثر ثروة،والذى باع ضميره أصبح رئيسا للتحرير،والذى باع مبادئه أصبح وزيرا أو نائبا فى البرلمان،والذى باع نفسه للشيطان أصبح له برنامج تلفزيونى أسبوعى،والصحفى الشريف ضيف دائم على السجون،فضلا عن أنه ممنوع من الكتابة فى صحف الدولة إلى آخر تلك الفتن التى لا ينجو منها إلا مؤمن قوى الإيمان الذى هو فى انتظار الجنة المؤجلة ..هذا الانتظار هو أخطر ما يواجه قضية الالتزام والثبات على الحق،ومما جاء فى الكتاب أن التوحيد الحق هو العنوان الأصلى للعقد الذى لا يفرق بين قضايا سياسية مرتبطة بالدين فقد شاع لدى وعاظ السلاطين بأن رضا الله يمكن أن يأتى بعيدا عن قضايا السياسة والجهاد مما يعد أحد أنواع البتر والتشويه وتحريف الكلم عن مواضعه وهذا هو الخطر الذى يتمثل فى تزييف وتمييع الدين وتقديم صورة محرفة عن الإسلام تجلت هذه الصورة بشكل فاضح بعد القضاء على استقلال الأزهر وتصفية استقلال الأوقاف،وما يؤكد هذا هو إصدار تشريع خاص لمنع التظاهر فى دور العبادة بعد أن سن حزب العمل سنة التظاهر فى الأزهر الشريف منذ 2002 بعد مذبحة جنين وحتى 2008 وكان للمؤلف موقفا قويا عقب أحداث جنينن حيث تحدث فيه عن تخاذل الحكام تجاه الصهاينة وعرض الأحكام الشرعية فى الموقف من المعتدين،وكذلك أحكام الجهاد وقارنها بموقف أهل الحكم فى مصر وقال إما أن نتبع أحكام الله أونتبع أحكام أهل الحكم المخالفة للشرع وكان يقف خلفه شيخ الأزهر السابق الذى كان يقف بجوار رئيس حزب العمل آن ذاك المجاهد إبراهيم شكرى وإذا بشيخ الأزهر يقول للمهندس إبراهيم شكرى: "ينفع الكلام ده يا أستاذ إبراهيم لماذا هذا الإحراج!" ولم يستطع أن يخطأ مجدى حسين وكل المسألة عند علماء السلطان ما هى إلا إحراج وعليه فإننا نجمل المواقف الأربعة لتى تحكم الحياة السياسية فى مصر:
1 - الموقف الذى يطرح الإسلام متكاملا ويطبق الرؤية الإسلامية على سياسات الحكام.
2 - الموقف الرسمى للمؤسسات الدينية الذى يعرض من الإسلام ما لا يتعارض مع الحكام وكأن المؤسسة الدينية تبنت الموقف العلمانى للدولة.
3 - الموقف الإسلامى لبعض التيارات الإسلامية الذى يتحاشى الاشتباك مع شرعية النظام الحاكم.
4 - موقف الحزب الحاكم والأمن الذى يستخدم العصا والضرب والاعتقال وتمزيق الثياب والهتاف للنظام الحاكم .

وفى سياق عرض الدكتور قرقر للكتاب سأل لماذا ندخل السياسة فى الإيمان ؟ وأجاب أن شرط دخول الجنة هو العقد الربانى وقد وردت فى القرأن الكريم آيات يغلب عليها الطابع السياسى مثل قول الله تعالى:: "أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مثل الذين خلو من قبلكم ..إلى آخر الأية البقرة 214 وهذا يعنى أن دخول الجنة له بوابة عبور هى اختبار النفس وهناك أمثلة تثبت ذلك فى التاريخ تعد نموذجا للثمن الحقيقى للجنة وقد أشار مجدى حسين فى كتابه بأن الإسلام - جهاد = النفاق بعينه.

وفى الفصل الثالث فى كتاب كيف تدخل الجنة رأى أن الجهاد هو ذروة العمل الصالح وهو الطريق الحقيقى للوصول إلى الجنة وقد تم حصر آيات القرآن التى وردت فيها الجنة تبين أن حيثيات دخول الجنة كالتالى:
1 - الإيمان المقترن بالعمل الصالح 122 مرة
2 - الجهاد السلمى والحربى 31 موضعا.
3 - الجهاد بالمال والإنفاق فى سبيل الله 18 مرة
4 - الصلاة 11 مرة.
5 - الإيمان المجرد 6 مرات.

وأهمية الإحصاء يكشف إصرار القرآن على أهمية العمل ولا فائدة بإيمان نظرى دون تطبيق عملى لهذا الإيمان ،وكان الرسول (ص) هو قدوتنا فى الجهاد،وهذا يعنى أن جهاد الرسول (ص) لم يكن يوما لأن نتحكى به وفقط بل هو نموذج يجب أن نحذو حذوه،وقد شرع الجهاد لسببين:
1 - ضد من يحاربون العقيدة ويفتنون الناس فى دينهم.
2 - الدفاع عن الدولة ضد الاعتداء الخارجى.

وكعادة المؤلف أنه بعضد رأيه بالدليل الصحيح من الكتاب والسنة،ولم ينسى المؤلف أن يرد على شبهات يريد البعض أن يضعها عقبة أمام بعض ذوى الأعذار إلا أن المؤلف جاء بالاستثناءات التى تعفى أصحاب الأعذار من الجهاد المسلح فى حالة الحروب (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) التوبة 91 ..لكن على الرغم من تلك الاستثناءا إلا أن هؤلاء لهم أبواب عدة مثل الجهاد بالمال والكلمة،وجهاد المال يبدأ من أدنى عملة وحتى مالا نهاية ،وشبهة أخرى رد عليها المؤلف حول مقولة أن الإيمان بالله وحده يكفى لدخول الجنة وهذا الإيمان يتنافى مع قبول أن تحكمنا شرائع أخرى فهل يستقيم إيمان مع نسيان وترك الأقصى تحت الاحتلال فالإسلام ليس دين طقوس فقط بل هو دين متكامل شامل لكل أركان الحياة.وقد تطرق المؤلف إلى معاهدة "كامب ديفيد" التى يريد أن يفسرها البعض بأن النظام الحاكم فى مصر نظام عاقل وحكيم وهذا هو الخطأ الأكبر من الذين يروجون مثل تلك الأقاويل فى الوقت الذى فيه كان قائد الأمة محمد بن عبدالله لم يتوقف عام عن الحرب ضد اليهود حتى استأصل شأفتهم واستقرت دولة الإسلام ومن المصائب الكبرى أنه بسبب هذه المعاهدة الجائرة لحقوق العرب والمسلمين أصبح التبرع لمساندة المحاصرين جريمة ورغم كل ما قيل عن إيجابيات معاهدة "الكامب" هل أنقذ النظام الحاكم فى مصر من ويلات الحروب حقا؟فالواقع الذى نعيشه يؤكد أننا أمام انهيار شامل فى كافة مناحى الحياة بعد 30 عاما من حكم التبعية للحلف الصهيوأمريكى وبالتقارير والأرقام وجدت مصر فى المراكز الأخيرة وفقا للتقارير الدولية ففى مؤشر سوق العمل مثلا أصبحت الدولة رقم 134 وفى مقاومة الفساد أصبحت رقم 115 إلى آخر تلك الإحصائيات التى تؤكد أن السلام المزعوم لم يحقق للمصريين إلا الفشل والفساد،وهل كانت الحروب ستفعل بنا أكثر من ذلك؟ وبخاصة بعد النمط الاستهلاكى الغربى الذى وصل بنا إلى حد السفه وليس أدل على هذا أن ننفق فى مصر قرابة الـ 36 مليار على المحمول.

وقد عرض الدكتور "قرقر" للفصل الرابع من الكتاب الذى هو تتويج لكل ماسبق بسؤال "كيف نصدق بالجنة وهى غيب مطلق؟" حيث قال الدكتور قرقر فى عرضه أن المؤلف ذكر فى رسائل الإيمان السابقة إن أهم التعامل مع الجنة بيقين هو الغيب،والغيب هو أهم التحديات الإيمانية ومن الغيبيات أيضا قضية البعث ..لكن الله قدم للبشرية الكثير من الآيات الظاهرية الملموسة التى على قياسها تتضح الأمور فقال تعالى : "سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق".


وقد ختم الدكتور قرقر عرضه لكتاب المفكر الإسلامى مجدى أحمد حسين بآخر رسائله الإيمانية التى تطرقت للوقت الذى لا يفطن كثير من الناس لخطورته وأهم تلك الأخطار أن موعد الموت غير معلوم وهى رسالة للإنسان بأن يكون يقظا ويحاول تغيير وتعديل مساره من الخير إلى الشر وبحساب بسيط نجد أن عمر الإنسان بعد أن نطرح منه الساعات المهدرة كالنوم مثلا وما قبل التكليف نجدها تصل إلى 30 عاما أو أكثر بقليل،وهنا وضع المؤلف ما يشبه "الروشته" لمحاولة تدارك ما فاته الإنسان وهو تذكر الموت دائما لضمان معرفة أن الحياة قصيرة لا سيما وأن موعد الموت وساعته أيضا من الغيبات مما يعد إنذارا متجددا للإنسان ،وفى نهاية عرض الكتاب قال الدكتور "قرقر" وقصدنا من كل هذا الحديث السابق محاربة الفكرة الزائفة بأن الآخرة بعيدة وهو الأمر الذى يساهم فى طرحه جانبا والانشغال بالهموم العاجلة واليومية للدنيا فالإنسان خلق عجولا ولا بد من أن يوسوس نفسه على التمهل والتفكر فى آيات الله حتى تستقيم حركته ،لذا أثبتنا أن الآخرة ليست بعيدة بالمعنى النسبى للزمن فحسب..لكن حتى بالمعنى المطلق لأن الموت محيط بك فى كل لحظة وصدق القائل: "كفى بالموت واعظا"
لا فصل بين السياسة والدين
وقد شهد حفل التوقيع عدد من المداخلات من ضيوف الحفل الذى اكتظت بهم قاعة طه حسين بنقابة الصحفيين حيث قال الدكتور عبد القادر سيد احمد العميد الأسبق لكلية الصيدلة بجامعة القاهرة: هناك محاولة لاحداث شقاق بين السياسة والدين ومعنى أن نفصل الدين والقيم عن السياسة أننا سنولى أمورنا لمجموعة من اللصوص.
كما أوضح عبد القادر ان الحرب على العراق قد اعلنها مناحم بيجن اثناء توقيع كامب ديفيد حين قال بالعبرية "جلسنا على نهر بابل وطلبوا منا ان نغنى لهم اغانى اورشاليم كيف نغنى لهم و نحن فى الأسر. طوبى يا اهل بابل لمن يمسك اطفالك ويضرب برؤوسهم الصخر".
أما فاروق العشرى المناضل القومى المعروف قال فى تعقيبه : ان الجهاد عادة ما يأتى عن طريق التجرد من الذاتية و هو ما يفعله مجدى احمد حسين دائما و ان هذا الكتاب هو خير تعبير عن نفس المؤمن السليمة التى هى على درب الجهاد كما اعتادنا من مجدى احمد حسين فى جميع المواقف .
هناك فرق كبير بين التوكل والتواكل
وفى مداخلة للأستاذ عبد الحميد بركات الأمين العام المفوض لحزب العمل الإسلامى أوضح خلالها أن هناك فرق كبير بين التوكل و التواكل فالله لم يطلعنا على الغيب حتى لا نتواكل وهنا تأتى أهمية الانصياع للأوامر والنواهى فهذا الانصياع للأوامر والنواهى الربانية يؤدى بالانسان للطريق السليم للوصول الى الجنة وهذا ما أعتقد أن الأستاذ مجدى حسين أراد توضيحه فى كتابه.
وأضاف بركات : كل دعاة فصل الدين عن السياسة كلهم يتحدثون من منطلقات غربية متاثرين بالثقافة المسيحية و هى الديانة التى لم تحتوى على تشريع او شريعة من الاساس .
مجدى حسين هو من يحبس سجانيه
أما المهندس عبد العزيز الحسينى القيادى فى حزب الكرامة فقد قال : ان التغيير هو رسالة كل الديانات السماوية التى أنزلها الله لتغيير المجتمعات الى الافضل . كما اكد على ان هناك تعمد لتهميش فريضة الجهاد حيث نزعت كلمة الجهاد من كل خطابات الرؤوساء و اجتماعات القمة و يضيف ان مجدى حسين هو من يحبس سجانيه لان كلماته هى التى تصل الى الناس بينما كلماتهم مرفوضة و منبوذه من الشعب .
التمكين لدين الله ومقاومة مبارك وفساده أمر من أمور الدين
كما تحدث ضياء الصاوى أمين اتحاد شباب حزب العمل الإسلامى قائلا: أن أهم ما يمكن أن نجده فى كتب الأستاذ مجدى حسين أنه لا يكتفى فقط بتفسير القرآن ولكنه يقوم بإنزال تفسير الآيات على الواقع. ورداً على دعاة العلمانية و دعاة فصل الدين عن السياسة قال ضياء الصاوى أن القرآن ليس كتاب تاريخ أو قصص بل هو كتاب الله انزله إلينا ليكون دستور حياتنا فالقرآن الكريم يحتوى على عدد من النظريات والقوانين التى يجب أن تطبق لتستقيم الحياة و تصح وأن كل القصص القرآنى هدفه استخلاص العبر والقوانين.
ويضيف الصاوى ان حفظ القرآن شئ رائع ومهم و لكنه فرض كفاية أما العمل بما جاء فى القران الكريم فهو فرض عين كل المسلمين فدخول الجنة ليس مرتبط بأداء العبادات وحدها فقط بل مرتبط أيضا بالجهاد والعمل على التمكين لدين الله فى الأرض لذا نجد أن مقاومة مبارك و نظامه الفاسد هو أمر من أمور الدين.
و اختتم الشيخ عبد الرحمن لطفى أمين حزب العمل بالمنيا المداخلات قائلا : عادة ما يفسر علماء السلطان الايه الكريمة "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" بطريقة خاطئة تحث على التواكل و لكن هذا معنى منقوص لخدمة اهدافهم و يضيف فى القران ايات كثيرة تكمل المعنى و تظهره من الاية الكريمة " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسولوالذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " و كذلك الايه الكريمة " إن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة , يقاتلون فى سبيل اللّه فيقتلون ويقتلون"
حضور حاشد من قيادات وشباب وأصدقاء حزب العمل
والجدير بالذكر أن هذه هى الدراسة الثانية التى تصدر لمجدى حسين وهو داخل السجن وقد شارك بالحضور عدد كبير من الصحفيين وأساتذة الجامعات والنشطاء السياسيين والقيادات السياسية منهم الدكتور عبد الحليم قنديل المنسق العام لحركة كفاية والدكتورة جيهان الحلفاوى والدكتور علاء السيسى والأستاذ عزت هلال والعديد من حركة شباب من أجل العدالة والحرية.
كما شارك بالحضور عدد كبير من قيادات وشباب حزب العمل منهم الدكتورة نجلاء القليوبى أمين مساعد الحزب والأستاذ أبو المعالى فائق أمين الحزب بالغربية والسفير محمد والى عضو اللجنة التنفيذية بالحزب والأستاذ حسن كريم أمين مساعد التنظيم والأستاذ نور عبد الصمد مدير عام إدارة المواقع الأثرية بالمجلس الأعلى للآثار والشيخ إبراهيم خضر عضو أمانة الحزب بالغربية والأستاذ محمد مراد أمين الحزب بالمحلة.
كما حضر من قيادات اتحاد شباب حزب العمل شوقى رجب أمين الإعلام باتحاد الشباب ومديحه قرقر ودعاء جمال الدين وحسن البنا وعمر الجندى من قيادات اتحاد الشباب ومحمد منير وفاتن الوكيل وشاهيناز أحمد وأية محمد من قيادات رابطة طلاب العمل الإسلامى والعديد من شباب وطلاب اتحاد الشباب بالحزب.

12/18/2010

حفل توقيع كتاب مجدي حسين (كيف تدخل الجنة ؟) - الخميس القادم بنقابة الصحفيين


تقيم اللجنة الشعبية للتضامن مع المجاهد مجدي حسين بالتعاون مع لجنة الحريات بنقابة الصحفيين برئاسة الأستاذ محمد عبد القدوس حفل توقيع ومناقشة كتاب: " كيف تدخل الجنة ؟ " للمفكر الإسلامي مجدي أحمد حسين أمين عام حزب العمل.

يناقش هذا الكتاب مواجهة تحديات العصر, التى تشغلنا عن الهدف النهائي فلكل عصر تحدياته ومشكلاته التى تواجه صحيح الإيمان, وآفة هذا العصر مرض النزعة الاستهلاكية التى تحاكى النزعة الاستهلاكية فى الغرب, والوقوع فى أسر القيم الغربية. وأيضا المفاهيم الخاطئة التى يروجها وعاظ السلاطين, والتي تستهدف التستر على الظالمين والمستبدين, وقوى الطغيان الداخلية والخارجية

ويقوم بعرض الكتاب د. مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل, ويشارك فى التعقيب كل من الداعية الإسلامي الدكتور جمال عبد الهادي والشيخ جمال قطب الرئيس الأسبق للجنة الفتوى بالأزهر الشريف والشيخ محمد الشريف أحد علماء الأزهر والقيادي بحزب العمل

وذلك يوم الخميس القادم الموافق 23/12/2010 في تمام الساعة السادسة مساءً بالدور الرابع بقاعة طه حسين بنقابة الصحفيين.

لقراءة ملخص عن الكتاب:
http://www.el-3amal.com/news/news.php?i=29953
تكملة المقال

9/30/2010

بين الإسلام والدنيوية (كتاب بقلم الدكتور / مجدي قرقر)



مـدخل

في محاولة لإجهاض المشروع الحضاري الإسلامي والذي أوشك أن يكون حقيقة بعد أن كان حلمًا يداعب الكثيرين اشتدت الهجمة الشرسة للرافضين للحل الإسلامي فسودوا الصحف والمجلات ضده وبثوا دعاواهم المسمومة من خلال أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية عاملين بهذا على طمس هويتنا الإسلامية انتصارًا لمشاريعهم التغريبية.

د. مجدي قرقر

بسم الله الرحمن الرحيم

{ إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}
(يوسف 40)
******

إهـداء



إلى زوجتي التي عانت معي وتحملت معي وعني في سبيل الرسالة التي نؤمن بها والتي جاء هذا الكتاب مترجمًا ومعبرًا عنها... أهدي هذا الكتاب.



ندعو الله أن يتقبل عملنا هذا وأن يكون خالصًا لوجهه.





تقديم



بقلم الدكتور/ محمد عمارة



في حديث أجرته إحدى المجلات الشهرية، مع قائد إحدى الدول العربية - وهو مسلم، يحكم شعبًا مسلمًا، ليست فيه أقليات دينية- سألته المجلة عن رأيه في تطبيق الشريعة الإسلامية؟.. فكانت الإجابة التي أدهشتني.. بل وأذهلتني - وإن كنت لم أجد سبيلاً للتشكيك في نسبتها إلى هذا الحاكم المسلم.. لأن المجلة ناطقة باسم نظامه، وممولة من خزائنه؟! - ..



كانت الإجابة التي قال فيها: لا.. إن الله في السماء، ونحن في الأرض نصنع ما نشاء؟!..



وبعد الدهشة.. والذهول.. فكرت في مضمون هذه الإجابة، فاكتشفت أنها التعبير الدقيق والصريح عن كل الذي يقول به العلمانيون؟!.. فما العلمانية والعلمانيون إلا الدعوة والدعاة إلى عزل السماء عن الأرض، والكفر بالله كمدبر ومنظم وحاكم في الاجتماع الإنساني والعمراني والبشري – وإن آمن به كثير منهم كخالق للعالم والإنسان فهم يقفون بفعله، سبحانه وتعالى، عند مجرد "الخلق"، منتزعين منه، سبحانه، سلطات الحكم والتدبير والتشريع؟!..



إنه موقف كل تيارات العلمانية، وسائر مذاهب العلمانيين، ذلك الذي عبر عنه هذا الحاكم العربي المسلم بحدة كشفت وعرت "النموذج العلماني" حتى من "ورقة التوت"؟!..



فنحن إذا استثنينا "العلمانية – المادية"- التي يتبناها الماديون والدهريون الملاحدة- فإننا سنجد فيها تيارًا غالبًا يؤمن بالله خالقًا لهذا الكون وما فيه ومن فيه، ويعبد الله بأداء المناسك والشعائر الفردية.. وقد يكون منهم ورعون ومتنسكون في الشعائر والمناسك والطقوس.. ولكنهم يعزلون الذات الإلهية عن تدبير شئون العمران البشري وحكم الاجتماع الإنساني، قاصرين الحكم والتدبير في هذه الميادين الدنيوية على "العقل.. والتجريب" وحدهما؟!.. أي أنهم جاحدون للشريعة، متميزون عن المؤمنين بها، الذين يدعون إلى التدرج في تطبيقها وتهيئة المجتمع لهذا التطبيق.



وهم، هنا، إذا شئنا رأي الإسلام فيهم: مؤمنون بالله، خالقًا للكون.. وكافرون به كمدبر وحاكم في شئون الدنيا والدولة والاجتماع والسياسة والاقتصاد، وغيرها من شئون وميادين العمران.. فهم ليسوا كفارًا بإطلاق.. وليسوا بكاملي الإيمان.. إنهم مؤمنون ببعض الكتاب وكافرون ببعضه الآخر؟!..







******



والحقيقة التي لابد وأن يعلمها هؤلاء العلمانيون – ومنهم جمهور مخدوع لا يعلم هذه الحقيقة – أنهم في إيمانهم بالله، سبحانه وتعالى، قد زيفت عليهم صورة الإله!.. فنموذج الألوهية الذي يؤمنون به ليس هو النموذج الحق الذي علمنا إياه القرآن الكريم، وبينت لنا صفاته وأسماءه سنة رسولنا، صلى الله عليه وسلم..



نعم هم يؤمنون بالله.. ويعبدونه.. لكن علمانيتهم قد جعلتهم "يشركون" مع الله "طواغيت" جعلوها الحاكمة والمدبرة، دون الله، في الاجتماع البشري والعمران الإنساني.. فهم – في الحقيقة – التي لا يعلمها كثيرون منهم – صنف من "المشركين".. يسيرون على درب أسلاف لهم من القدماء، آمنوا بالله خالقًا.. وكفروا به مدبرًا وحاكمًا.. وأشركوا معه، بل وأحلوا محله وبدلاً منه، في تدبير الدولة والدنيا والعمران طواغيت جعلوا الاحتكام، في تدبير العمران، إلى مرجعياتها، بدلاً من الاحتكام إلى الشريعة الإلهية التي هي المرجعية الإلهية في حكم وتدبير الدولة والدنيا والعمران؟!..



*****



إن فارقًا كبيرًا بين "الماديين – الدهريين"، الذين يجحدون وجود الله بإطلاق.. ويقولون – كما عبر عن مذهبهم القرآن الكريم: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر..} – الجاثية" 24.. فارق بين هؤلاء وبين "المشركين" الذين يؤمنون بالله، لكنهم يعزلونه عن التدبير في بعض الميادين، ويشركون معه آلهة وطواغيت وشركاء يتحاكمون إليهم في حكم هذه المساحات بدلاً من مرجعية الشريعة الإلهية التي تجسد حاكمية الله وتدبيره في كل ميادين وعوالم الوجود، وفي العمران البشري والاجتماع الإنساني على وجه الخصوص..



فالتصور الوثني الجاهلي للذات الإلهية، لم ينكر وجود خالق لهذا الوجود، ولكنه وقف في تصوره لعمل هذا الخالق عند حدود "الخلق".. ثم أشرك معه شركاء آخرين في "تدبير" شئون الحياة الدنيا، كان يحتكم إليها "الوثنيون – المشركون" في السلم والحرب، والسفر والحضر، والإقدام والإحجام.. وفي كثير من ميادين الحياة والعمران.. تمامًا كما يصنع العلمانيون، الذين يؤمنون بالله خالقًا.. ثم يحتكمون، في تدبير شئون الدنيا والدولة والعمران الإنساني إلى غير الشريعة التي وضعها، والتي تجسد إرادته وتدبيره ومعاييره في حكم هذه الميادين!..



إن القرآن الكريم لم ينع على هذا التصور "الوثني – الجاهلي" إنكار الخالق للوجود.. وإنما نعى عليه الوقوف بعمل هذا الخالق عند حدود "الخلق"، دون آفاق "التدبير" في كل ميادين الوجود وسائر شئون العمران.. {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن: الله، قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} – الزمر: 38.



ففي هذا التصور "الوثني – الجاهلي – المشرك" إيمان بالله، "خالقًا" لهذا الوجود، وعزلاً له عن "تدبير" شئون الدنيا، وإحلال "الشركاء" محله، وبدلاً منه في هذا "التدبير".. تمامًا كما هو حال التصور العلماني، الذي يؤمن بالله، خالقًا للوجود، لكنه يعزله عن "تدبير" الدنيا والدولة والعمران، مستبدلاً "العقل.. والتجريب" بالشريعة الإلهية، وذلك بدلاً من جعل "العقل.. والتجريب" سبلاً مؤمنة بهذه الشريعة، وعاملة على الاجتهاد فيها والتطوير لما فيها من فروع ومتغيرات!.. فالعلمانية تحل "العقل.. والتجريب" محل الشريعة، أي بدلاً من الله.. بينما "الإسلامية" تجعل من "العقل.. والتجريب" ومعهما "الوحي.. والوجدان" سبلاً للمعرفة، تتأزر وتتكامل في هداية الإنسان إلى سعادة الدنيا والآخرة..



فهل يعلم العلمانيون الدرب الذي يسيرون في تصورهم لذات الله، سبحانه وتعالى؟!..



وكذلك نجد الحال مع التصور "الأرسطي- اليوناني" لذات الله.. فهو شبيه بهذا التصور "الوثني- الجاهلي- المشرك".. فهو يتصور الله خالقًا لهذا العالم.. لكنه يزعم أن الله، بعد خلقه للعالم، قد ترك تدبيره للأسباب المادية الذاتية المودعة والمركبة فيه.. فعلاقة "الخالق" بالوجود – في هذا التصور- "علاقة منطقية". كعلاقة المقدمة بالنتيجة.. وليست كعلاقة الراعي المدبر لشئون هذا الوجود؟!.. فإذا جاء التصور العلماني للذات الإلهية، وآمن بالله خالقًا للوجود، وبالدين عقيدة وشعائر وعبادات.. ثم "حرر" العمران الإنساني والاجتماع البشري- في السياسة والاجتماع والاقتصاد ومناهج البحث والقيم – من "الشريعة الإلهية"، ومن ضوابط ومعاييرالتدبير الإلهي لهذه الميادين.. فإنه، في الحقيقة – رغم مرارتها – إنما يسير بأصحابه – العلمانيين – على درب "الوثنية – الجاهلية – المشركة" في تصور الذات الإلهية.. وهي حقيقة قد لا يعلمها كثير من العلمانيين؟!..



إن التصور القرآني للذات الإلهية، يتميز عن التصورات "المشركة".. فهو تصور "التوحيد"، و"الوحدانية" في أرقى وأنقى صورها.. ولذلك، فهو لا يقف بنطاق عمل الذات الإلهية عند حدود "الخلق" فقط لهذا الوجود، وإنما يجعل الله، سبحانه وتعالى، الراعي والمدبر والحاكم- بقضائه.. وشرعه – لكل شئون الحياة، وسائر ميادين العمران..



فهو "الخالق" وهو "مدبر الأمر".. {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه، ذلكم الله ربكم فاعبدوه، أفلا تذكرون} يونس:3



وله، سبحانه وتعالى، "الخلق" و"الأمر" – أي التدبير – {ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين} الأعراف:54



وهو، سبحانه، الذي "خلق".. وهو الذي "هدى".. {قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} طه:49، 50



هذا هو التصور الإسلامي للذات الإلهية.. الذي تتنكب العلمانية والعلمانيون طريقه، عندما يريدون الله خالقًا معزولاً عن تدبير شئون الدنيا والدولة والاجتماع والعمران.. ويريدون الدين عقيدة وعبادات، لا شريعة فيه ولا قانونًا يضبط دنيا الناس.. وهم عندما يتنكبون طريق التصور الإسلامي للذات الإلهية، إنما يسيرون – دون أن يدري كثير منهم – على درب "الوثنية –الجاهلية" القديمة، تستوي في ذلك "وثنية – العرب" و"وثنية – اليونان" ؟!..



تلك هي "الحقيقة المرة"، التي تضع العلمانيين في "سلة الشرك"، وإن لم تضعهم في "سلة الدهرية".. فهم، بهذه العلمانية، مؤمنون بالله "خالقًا"، وكافرون به "مدبرًا" للعمران الإنساني.. وعندما يعرض موقفهم هذا على التصور القرآني للذات الإلهية نجدهم قد آمنوا ببعض ما جاء به القرآن في هذا التصور، وكفروا – كفر جحود.. أو كفر جهل – ببعضه الآخر.. فهم ليسوا كفارًا بإطلاق.. وليسوا كاملي الإيمان.. وإنما – بإشراكهم الشركاء مع الله في حاكمية التدبير للدولة والدنيا – "مشركون"، يسيرون على درب المشركين القدماء؟!..



إن "مرارة" هذه الحقيقة قد تكون مفاجأة لقطاع كبير من العلمانيين.. لكن.. هل تسهم هذه "المرارة" في إيقاظهم من الغفلة؟.. أم يظلون في غيهم سادرين؟!..



إن "المعادن" و"المقاصد" هي معايير التمييز في هذا المقام.. ففارق بين أصحاب "الاجتهادات الخاطئة".. وبين "العملاء الحضاريين".. فولاء الأولين لوطنهم وأمتهم – والإسلام هو سياج هذا الوطن.. وهوية هذه الأمة وحصنها في الملمات وأمام كل التحديات.. أما الآخرون، فإن العلمانية هي سبيلهم إلى كسر شوكة الإسلام – حصن الأمة وهويتها – وطريق الاختراق والهيمنة والتبعية والإلحاق!..



ولقد صدق موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام "جمال الدين الأفغاني" (1254- 1314هـ ، 1838- 1897م) عندما قال: "إن المقلدين للتمدن الغربي، إنما يشوهون وجه الأمة، ويضيعون ثروتها، ويحطون من شأنها.. إنهم المنافذ لجيوش الغزاة، يمهدون لهم السبيل، ويفتحون لهم الأبواب"؟!..



فهل يفيق العلمانيون من هذا "الخسران"؟!.. خسران الدنيا والآخرة.. الذي وضعهم على طريق "التبعية للغرب" في "الحضارة".. و"التبعية للشرك" في "التصور لذات الله"؟!..



إن الآمال كبيرة في أصحاب "الاجتهاد الخاطئ".. وإن لم تكن كذلك في "العملاء الحضاريين"!..



******



وإذا كان الحوار مع المخالفين – في الرؤية الإسلامية – يتعدى حدود "الفضيلة"، إلى حيث يصبح "فريضة" على القادرين عليه تجاه هؤلاء المخالفين.. فإن ما في المكتبة الإسلامية المعاصرة من عشرات الكتب التي تتناول علاقة الدين بالدولة والمجتمع، في الرؤية الإسلامية، إنما تمثل سبل وأدوات في هذا الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين.



وإذا كانت كثير من الدراسات التي كتبت في هذا الموضوع قد توجه بها أصحابها إلى "النخبة" و"الصفوة".. وكثير منها قد جاء كتبًا كبيرة.. فإن ميزة هذه الدراسة – التي نقدم لها – والتي كتبها الدكتور/ مجدي قرقر- .. أنها تتوجه بمنطق متميز، وحجة واضحة – وفي إيجاز وتركيز- إلى مختلف المستويات.. فللنخبة وللخاصة فيها نصيب، ولجمهور القراء فيها زاد كبير وحظ عظيم. ونحن نأمل أن تؤتي هذه الدراسة ثمرتها الطيبة، إن شاء الله.. فهي كلمة طيبة، يوجهها عقل مسلم مخلص إلى من يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وهي، بقدر ما تفتح من سبل الرشاد أمام العلمانيين.. فإنها تقدم الحجج التي تحصن عقول الإسلاميين..







والله من وراء القصد.. منه نستمد العون والتوفيق.



دكتور/ محمد عمارة



==================================

مـدخل



في محاولة لإجهاض المشروع الحضاري الإسلامي والذي أوشك أن يكون حقيقة بعد أن كان حلمًا يداعب الكثيرين اشتدت الهجمة الشرسة للرافضين للحل الإسلامي فسودوا الصحف والمجلات ضده وبثوا دعاواهم المسمومة من خلال أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية عاملين بهذا على طمس هويتنا الإسلامية انتصارًا لمشاريعهم التغريبية.



والرافضون للحل الإسلامي فريقان.. الفريق الأول هم (الماديون) نسبة إلى المادة.. وهؤلاء هم أصحاب النظريات المادية من شيوعيين ووجوديين ولا دينيين وهؤلاء يجدون في الإسلام منافسًا خطيرًا بل يعدونه العدو الأول لهم.. وهذا الفريق ليس هو المعنى بهذه الدراسة.. والفريق الثاني للأسف أخوة لنا في الإسلام (الدنيويون) أو ما اصطلح على تسميتهم بـ(العلمانيين) وهم الذين نحاورهم في هذه الدراسة(8).







إشكالية المصطلح:



ينطق الكثيرون مصطلح (العلمانية) بكسر العين إما عن جهل وإما عن خطأ مقصود حتى ينسبوها إلى العلم.. وكأن الإسلام ضد العلم!! وهذا المصطلح ترجمة غير دقيقة للكلمة الإنجليزية (Secularism) المشتقة من (Secular) بمعنى عالمي أو دنيوني.. ولذا فإن النطق النطق الصحيح هو (العلمانية) أو (العالمانية) بفتح العين نسبة إلى العالم أو الدنيا حيث إن أساس عقيدتهم هو الفصل بين الدين والدولة أو الفصل بين الدين والدنيا لذا قد يكون من الأنسب استخدام لفظ (الدنيوية) كما ذهب إلى ذلك الأستاذ عباس العقاد فهذا الإصطلاح أدق في تصوير دعاواهم ولا يحتمل النطق الخطأ أو المعنى الخطأ بالتالي.



يقول عادل حسين.. إن الدنيوية ليست (شتيمة) بطبيعة الحال ولكنها تحديد لمنهج في الحياة الاجتماعية يعتز به أصحابه ولا ينكرونه.. والدنيوية لا تعني بالضرورة انكارًا صريحًا للدين وكفرًا بالله لكنها تعني أن هذا الجانب الغيبي وكل ما ينشأ عنه مسألة شخصية لا تدخل في تحديد العلاقة بين الناس ولا ينبغي أن نقحمها عند مناقشة قضايا المجتمع والحكم والتنمية.. إن الفرد قد يرى أن حياته في الدنيا هي معبر للآخرة أما المجتمع فلا ينبغي أن يقيم نظمه على أساس هذا الاعتقاد بل يجب أن يحصرهم في أمور الدنيا ومن هنا تكون صفة الدنيوية(2).



خلاصة القول إن الدنيويين ينادوون بالفصل بين الدين والدولة.. فهم يقصرون الدين على العبادات وعلى ما يدعو إليه الوعاظ من مكارم الأخلاق.. والمسجد عندهم لم يخلق إلا للصلاة وعلى بابه تترك دينك وأنت تلبس الحذاء.







الدنيوية.. النشأة والجذور:



وإذا كان الإسلام لا يعرف ثنائية الدين والدولة فإن الفكر المسيحي يقر هذه الثنائية ويقسم الحياة بين الله تعالى وبين قيصر.. (اعط ما لقيصر لقيصر وما للرب للرب).. إلا أن رجال الدين في أوروبا في العصور الوسطى خرجوا عن هذه المبادئ المسيحية وكونوا طبقة تسيطر وتستعلي وتضطهد وتتعصب بربطهم بين الدين والدولة واستغلالهم لمناصبهم اعتمادًا على مبدأ (الكهنوت) في المسيحية حتى إنهم اضطهدوا الفكر ونشروا الجهل والخرافة تدعيمًا لمراكزهم التي كانوا يحرصون عليها.. ومن أوروبا ومع بدايات هذا القرن انتقلت الدنيوية لبلادنا عن طريق بعض المستشرقين وبعض الدارسين العرب في أوروبا بعد أن عادوا لبلادهم.



إن ربط الدين بالدولة في أوروبا في العصور الوسطى أدى إلى انهيارها وانحطاطها ولكن ربط الدين بالدولة في عصور الإسلام الزاهرة مكنه من أن يمتد من الصين حتى الأندلس.. هذا الربط أدى إلى ازدهار الفكر وتحرير الناس من جاهليتهم حتى ازدهرت الحضارة الإسلامية على أطلال حضارة الفرس والرومان.. وتعلوا نقارن بين تركيا في ظل الإسلام وتركيا في ظل الدنيوية لندرك الفرق.. تركيا الآن غارقة في ديونها.. رئيسها سال لعابه لحفنة دولارات حتى وإن تطلب هذا الوقوف ضد المسلمين كما حدث أثناء أزمة الخليج الثانية.. تركيا في ظل الدنيوية أصبحت مركزًا للقوات الأوروبية لضرب الدولة الإسلامية.. فلنقارن بين هذه الصورة وبين تركيا عاصمة الخلافة التي أعزها الله بالإسلام.







منهج وأساليب الدنيويين:



قد يكون من المفيد التطرق في عجالة إلى أساليب الدنيويين التي ينتهجونها لدعم مشاريعهم التغريبية ومحاربة المشروع الحضاري الإسلامي.



إنهم يعلنون أنهم مؤمنون ويحترمون جوهر الدين ولكنهم ينشدون الإسلام المستنير (وكأننا نطالب بالإسلام المظلم) الذي يفصل بين الدين والدولة لينطلق العقل في إبداعه لأن التمسك بالإسلام كمنهج حياة يحول دون ذلك.



ولكن هل يكتمل إيمانهم وهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؟!



{أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون.. أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون}.. (البقرة 85- 86).



ويتظاهرون باحترام المقدسات وأن ما ينتادون به لمصلحة الدين نفسه (وكأنهم أوصياء على هذا الدين) وغيرة منهم على جوهر الدين بعيدًا عن السياسة (وهي كلمة حق يراد بها باطل).



ويعتمدون في منهجهم على الهجوم على رموز العمل الإسلامي واتهامهم بالإرهاب والتطرف وبأنهم يوظفون الدين لتحقيق مكاسب سياسية وبهذا يقيمون حاجزًا من الكراهية وعدم الثقة بين الناس وبين هذه الرموز(6).







الرافضون للحل الإسلامي







ولقد قسم الدنيويون الأدوار فيما بينهم وتقاسموا المعاول لهدم أي إنجاز في المشروع الحضاري الإسلامي.. هذا وقد حاولنا في هذه الدراسة تجميع الشبهات والانتقادات التي يوجهونها للمشروع الإسلامي في محاولة لجمع الرافضين في سلة واحدة بعد أن نرفع الأقنعة من فوق وجوههم.







1- المرجفون:



بمعنى "المضطربون" وهؤلاء ودعاواهم كثيرة ومتفاوتة أقصاها إنكار جانب الشريعة من الإسلام وقصره على جانب العقيدة والعبادة بالمعنى الضيق(4) فإذا فشلوا في ذلك افتعلوا الشبهات الواحدة تلو الأخرى والتي سنحاول التعرض لها في بقية الدراسة.



والمرجفون بإنكارهم جانب من الدين يلغون مئات الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام والتي قدرها الإمام الغزالي بخمسمائة آية وخالفه ابن دقيق في هذا التقدير وقال إن مقدار آيات الأحكام لا تنحصر في هذا العدد بل هو يختلف باختلاف القرائح والأذهان وبما فتح الله به من وجوه الاستنباط حتى من الآيات الواردة في القصص والأمثال(6).



ومن هنا تتضح مغالطة الدنيويين فليست كل آيات الأحكام في التوحيد والعبادات فهناك أحكام البيع والربا والزواج والطلاق والمواريث والقصاص والحدود وأحكام السعي في الأرض فسادًا إضافة إلى أحكام القتال والجزية والخراج.. وإذا أمعنا النظر في القرآن والسنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين سنجد العهود والمعاهدات والرسائل والبعثات كما سنجد القضاء في المسائل المدنية والتجارية وكافة الأمور الحياتية للمسلمين ودولتهم.



حتى أمور العبادات لا يمكن فصلها عن شئون الدولة وخططها.. فتحصيل الزكاة وتوزيعها على مصارفها الثمانية مسئولية الدولة وولي الأمر.. وزكاة الركاز أو الثروات الطبيعية تصل نسبتها إلى الخمس أي عشرين في المائة.. وهذه الموارد الطبيعية هي موارد سيادية في الدول الإسلامية وتحت تصرف الأنظمة والحكومات الحاكمة.. إن حصيلة الزكاة من البترول فقط – وهو واحد من هذه الثروات الطبيعية – يصل إلى ثلاثين مليار دولار سنويًا لو قامت الدول الإسلامية بإخراج الزكاة الخاصة به.. هذه الحصيلة يمكن أن تكون عونًا لأطفال الحجارة وللشعب المسلم المجاهد في البوسنة والهرسك.. ويمكن بها مواجهة المجاعات التي تهدد دول الإسلام في بنجلاديش والصومال.. ويمكن أن نوجهها إلى الدول الأفريقية والآسيوية المسلمة التي تعجز عن مواجهة إغراءات حملات التبشير.. ثم إنه يمكن بها تحرير الدول الإسلامية المدينة من هيمنة الدائنين.. إن هذه الحصيلة ملك لكل المسلمين في كل ديار الإسلام.. هل يمكن لدنيوي أن ينكر أن هذه من أمور الدولة والتي نظمها الإسلام؟ وهل تفرض دولتهم الدنيوية مثل هذه الزكاة؟ أي فصل هذا الذي ينادون به بين الدين والدولة؟.. لكنهم المرجفون..!!



وعندما يعجز المرجفون عن الواجهة تجدهم يتخبطون.. هذا أحدهم يعلن (أنا لست من دعاة فصل الدين عن الدولة كما أنني أعتقد أن كل دين هو دولة.. ولكن السؤال هو.. هل السياسة جزء من الإسلام؟.. وفي وجهة نظري أن السياسة نشاط من الأنشطة التي تمارسها الشعوب أو تمارسها الجماعة المسلمة ولكنه ليس هو الوجه الأساسي والرئيسي ويجب ألا نعتبره جزءًا من الإسلام)(5).. حتى وإن اتفقنا معه في أن السياسة ليست هي الجزء الأساسي والرئيسي؟ فهل يعني هذا أنها ليست جزءًا من الإسلام؟ أم أنه من الضروري أن تكون الوجه الأساسي والرئيسي حتى يعتبرها جزءًا من الإسلام؟!!.. يعود فيضيف (إن النظام السياسي الإسلامي لم يكن صحيحًا وثبت لنا فشله لأنه كان جزءًا من التاريخ ولا يجوز لنا أن نغير الوضع التاريخي وأن نقدم نظامًا حديثًا يلائم العصر الحديث ويتفادى الأخطاء القديمة).. وبعد هذا اللغط يتساءل في موضع آخر (ما المقصود أن السياسة جزء من الإسلام؟ وهل يعني ذلك أن السياسة ركن من اركان الدين أم يعني أن السياسة جزء من التاريخ الإسلامي؟).. وحتى يستريح المرجفون نجيب بأن الإسلام دين ودولة.. والسياسة تدخل في النسيج الإسلامي بحيث لا يمكن فصلها فهي في القرآن والحديث والسنة والسيرة وفي التاريخ الإسلامي(6).



يقول الدكتور محمد عمارة(7).. والدولة رغم أنها ليست فريضة قرآنية ولا ركنًا من أركان (الدين) إلا أنه لا سبيل في حال غيابها إلى الوفاء بكل الفرائض القرآنية الاجتماعية والواجبات الإسلامية الكفائية التي يقع الإثم بتخلفها على الأمة جميعًا.. فوجوب (الدولة) إسلاميًا راجع إلى أنها مما لا سبيل إلى أداء الواجب الديني إلا به ومن هنا تأتي علاقة (الدولة) وعلاقة (السياسة) بـ(الدين) في نهج الإسلام!.. إنها (واجب مدني) اقتضاه ويقتضيه (الواجب الديني) الذي فرضه الله على المؤمنين بالإسلام.







2- المتحفظون:



وتحفظهم على الحكومة الدينية (الثيوقراطية) بمعنى حكم رجال الدين والذين يستمدون سلطاتهم من الله رغم أن نظرية الحق الإلهي قد انتهت وحلت محلها نظرية أن الشعوب أو الأمم هي مصدر السلطات.



والإسلام لا يعرف الحكومة الدينية بهذا المعنى.. لا يعرف الحكومة المفوضة من الله والتي لها حق اتخاذ القرار بسلطان الدين لأن الإسلام لا يعرف الكهنوتية وليس فيه رجال دين وإنما فيه علماء دين متخصصون في علوم الدين.. أكثر من هذا فإن الإسلام لم يشترط في حاكم المسلمين أن يكون أكثر الناس معرفة بعلوم الدين أو أكثرهم تدينًا وسماحة أخلاق.. بل إن كثيرين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا لا يقلون تدينًا أو ورعًا عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي.. وهكذا كانت القاعدة الإسلامية تعيين الأكفأ والقدر على العمل بصرف النظر عن شدة الورع أو كثرة التدين إمتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من ولي من أمر المسلمين شيئًا فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه فقد خان الله ورسوله).. ويضيف الدكتور عبد القادر عزيز(3).. يكفي أن نستمع لرأي الإمام ابن تيمية في كتاب (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والراعية) وهو يقول (الواجب في كل ولاية الأصلح بها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضررًا فيها.. فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا).



إذن فالإسلام لا يعرف الحكومة الدينية ولكنه يعرف الحكوة الإسلامية.. وهي أن يحكم المجتمع المسلم طبقًا للمبادئ الإسلامية.. لا كهنوت في الإسلام.. بل شريعة تحكم الجميع وعلماء المسلمين وكذلك الحكام ليسوا بمعصومين.



يقول الدكتور محمد عمارة(11).. بديل الدولة الدينية هي الدولة اللادينية وبديل الدولة المدنية هي الدولة العسكرية.. القضية أن كل إنجاز بشري هو مدني.. حتى المسجد والكنيسة مؤسسات مدنية لم ينزل بها الوحي.. والقضية الخلافية هي المرجعية.. الدولة في كل النظم مؤسسات مدنية يبدعها الناس ويضعها البشر.. والقضية الخلافية التي يدور حولها الجدل والمناظرة هي مرجعية الدولة المدنية.. هل هي القانون الوضعي فتكون الدولة المدنية علمانية تفصل الدين عن الدولة أو أن يكون القانون هو الشريعة الإسلامية وحاكمية السماء لهذه الدولة – انتهى الدكتور عمارة – وهنا فإننا نعتقد أن نموذج الدولة الأخيرة هو نموذج للدولة المدنية الإسلامية.



ورغم توضيحنا السابق بأن الإسلام لا يعرف حكم رجال الدين ولا يعرف الكهنوتة، فإننا نود أن نسأل لماذا لا يقر الدنيويون بالسلطة لبعض علماء المسلمين مع أنهم يقرون بالسلطة لرجال الجيش والشرطة والمخابرات وحكومات التكنوقراط؟ أليس ذلك دليلاً على أنهم يغلبون هوى نفوسهم؟ ثم هل كان رسول الله رجل دين أم رجل دولة حينما خاض سبعًا وعشرين غزوة وسير ثماني وأربعين سرية دفاعًا عن النفس والمال والدين؟ وهل كان رجل دين أم رجل سياسة حينما ذهب إلى الأسواق وراسل الملوك والرؤساء وعقد المعاهدات؟ ألم تنفذ الحدود بأمر منه وتحت إشرافه؟(8).



لا كهنوت في الإسلام.. وعلماء المسلمين وكذلك الحكام ليسوا بمعصومين فهذا أول الخلفاء الراشدين أبو بكر الصديق يخطب غداة مبايعته بالخلافة (أيها الناس.. إني وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أخطأت فقوموني.. أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم). أين إذن الحكم بالحق الإلهي الذي يتحفظون عليه؟









3- المتحججون:



ودعاوى هؤلاء أيضًا كثيرة فهم بين متحجج بغياب النموذج وبين من يحتج على الإسلام ببعض النماذج وبين متحجج بتعدد المذاهب الفقهية الإسلامية.







(3-1) المتحججون بغياب النموذج (المحرفون للتاريخ):



وهؤلاء يتساءلون أين الفترة التي يحكم فيها بالدين الصحيح طوال ألف وأربعمائة عام؟.. إن واحدًا في المائة من هذه الأعوام ناصرت الدعوة للدولة الدينية وتسع وتسعين في المائة ناصرت ما ندعو إليه وهو الدولة المدنية(11).. (نلاحظ هنا استمرار مغالطتهم في وصف نموذج الدولة الإسلامية بالدينية ونموذج الدولة العلمانية بالمدنية)..



هؤلاء الدنيويون كما يقول الدكتور محمد عمارة(11) يستقون معلوماتهم من حكايات "ألف ليلة وليلة".. إنهم يدعون أن التاريخ الإسلامي كان ظلامًا بعد الخلافة الراشدة باستثناء سنتين ونصف لعمر بن عبد العزيز وتسعة شهور من الخلافة العباسية.. ويضيف د. عمارة.. إن كل العلوم الإسلامية شرعية ومدنية بنيت على الخلافة الراشدة.. كل تيارات الفكر الإسلامي لم تنشأ إلا بعد الخلافة الراشدة.. كل المذاهب الفقهية لم تنشأ إلا بعد الخلافة الراشدة.. كل ما نتيه به على الدنيا وما تتلمذت عليه أوروبا والغرب واستخدمته في النهضة لم ينشأ إلا بعد الخلافة الراشدة.. من الذي يقول إن تاريخ هذه الأمة كان ظلامًا؟.. العلماء.. المفكرون.. الفتوحات.. نشر الإسلام.. نشر العربية.. كل هذا الثراء عرفناه بعد الخلافة الراشدة.. فقط الذين يرجعون إلى ألف ليلة وليلة هم الذين ينظرون هذه النظرة إلى التاريخ الإسلامي.







(3-2) المتحججون ببعض النماذج:



ويظن هؤلاء أنهم قد ضربوا الإسلام في مقتل.. فيتساءلون.. أي إسلام تنشدون؟ إسلام النميري في السودان أم إسلام الخميني في إيران أم ضياء الحق في باكستان؟.. ألا ترون أن الحل الإسلامي قد فشل في هذه الدول فلماذا تطالبون به؟



ونود أن نسألهم.. هل لديكم مؤهلات الحكم حتى تسارعوا بإطلاق الأحكام؟.. ثم حتى وإن افترضنا صحة حكمهم في بعض هذه التجارب أو كلها.. من الذي قال إن هذه الأنظمة حجة على الإسلام.. إن الإسلام يحتج به ولا يحتج عليه.



وإذا كان هؤلاء المتحججون مخلصي النية ولا يضمرون للإسلام شيئًا فلماذا لا نكون موضوعيين ونستفيد من هذه التجارب في تطبيق وتأصيل الحل الإسلامي بدلاً من هدمه.



والمتحججون يكيلون بكيلين.. إذا فشلت بعض النظريات المادية أو المذاهب صاروا يلتمسون الحجج والمعاذير لها.. وإذا جانب الحل الإسلامي بعض الصواب في بعض الدول رفعوا له السكاكين.. لقد فشلت تجربة عبد الناصر الاشتراكية فالتمسوا لتجربته العذر بأن المحيطين به هم الذين أضروا به.. ولقد فشل السادات في نظريته الانفتاحية فاتهموا القطط السمان بأنها كانت وراء ذلك وسقطت الشيوعية بعد ما يزيد على السبعين عامًا فقالوا إن العيب في التطبيق وليس في النظرية.. أما الحل الإسلامي فإنهم يتعجلون الحكم حتى وإن لم يطبق إلا منذ سنتين أو ثلاث.. وإذا جانب الحل الصواب فإنهم لا يلقون بالتبعة على أصحاب التجربة بل يلقون بالتبعة على الإسلام ذاته..







(3-3) المتحججون بتعدد المذاهب الفقهية (المشككون):



وهؤلاء جاوزوا سابقيهم في التطاول فيسألون.. أي إسلام تريدون؟.. إسلام مالك أم أبي حنيفة أو إسلام الشافعي أم ابن حنبل؟..



وكأن الإسلام أكثر من إسلام.. ورغم سوء النية في تساؤلهم إلا أنه لا مانع من التوضيح:



* إن الأئمة متفقون في غالبية الأحكام وإن اختلفوا في بعض التفاصيل والهيئات فهذا دليل على عظمة الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان.. (إجماعهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة).







* ثم إنهم من القوم المطففين كما قلنا والذين يزنون بميزانين ويكيلون بمكيالين فإذا اختلفوا في تفسير القوانين الوضعية فهو حلال.. بل ويقنن هذا الاختلاف فهناك المحاكم الجزئية ثم هناك الاستئناف.. وهناك واضعوا الدستور وهناك المحاكم الدستورية.. ولكنهم في حالة الاختلاف في تفسير القوانين الوضعية يغضون الطرف وفي حالة اختلاف الفقهاء في بعض التفاصيل يفتحون عيونهم على آخرها لرصد أي تقصير في الحل الإسلامي ليشبعوه تشكيكًا وانتقادًا.







ثم إننا نتساءل.. ألا يختلف أساتذة القانون الوضعي في تفسير هذا القانون؟.. ثم ألا يختلف الفنيون فيما بينهم من أطباء ومهندسين ورجال الجيش والاستراتيجية؟







* يستشهد الدكتور محمد صلاح الصاوي(6) بقول أحد الماركسيين.. يقول مكسيم رودنسون الكاتب اليهودي الفرنسي (الحقيقة إن هناك ماركسيات كثيرة بالعشرات والمئات.. ولقد قال ماركس أشياء كثيرة.. ومن اليسير أن نجد في تراثه ما نبرر به أية فكرة!!).



وهنا نود أن نسأل.. لماذا تحللون عشرات النظريات والمناهج داخل المدرسة الوضعية الواحدة وتستكثرون علينا وجود عدة أئمة من المسلمين.



من هنا تتضح حقيقة المتحججين أو المشكيين إذا تحرينا الدقة.. إنهم يريدون أن يقولوا إن الإسلام غير متفق عليه وأن تطبيقه على مدار التاريخ قد أثبت فشله الذريع وإخفاقه التام وأن تطبيق الإسلام يرجع بنا إلى عهود الظلام(6).. إذن فالمطلوب أن نخلع رداء الإسلام.. ولكن أي رداء نلبس؟ رداء العم سام أو رداء الرفقاء الحمر أم لا رداء على الإطلاق؟



لقد قالها أحدهم.. فليتفق الإسلاميون فيما بينهم أولاً وأنا هنا من المنتظرين وعندما يتفقون فأنا معهم عندئذ.. إنه مجرد تسويف.. (اذهب أنت وربك فقاتلاً إنا ها هنا قاعدون..) حتى وإن اتفق كل علماء الأمة.. حتى وإن اتفقت كل التيارات الإسلامية فإنهم سيظلون على شكهم يتحججون ويشككون ويتشككون.. {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} (121) الأنعام.. نعوذ بالله من هذه العاقبة.







4- المسوفون:



ويزعم هؤلاء أن تطبيق الشريعة يحتاج إلى تأن وصبر وروية حتى يمكن إعداد المجتمع إعدادًا كافيًا لتقبل أحكام الشريعة.



إن هذا الإدعاء مجرد مسكن حتى ينسى الجائع آلام بطنه فيكف عن طلب الطعام.. ثم إن هذا الإدعاء لا يعني إسقاط الدعوة بقدر ما يعمل على تعميقها ومد نطاقها.



يجب أن نعد المجتمع أولاً.. هكذا يقولون.. مثلهم من يدع المريض ليشفى وحده بدون دواء.. وتعالوا نفحص المريض حتى نضع أيدينا على مكمن الداء والخطر.. ويمكن إجمال أمراض المجتمع التي تعرض لها الدكتور علي حسنين(4) فيما يلي:



1- أمراض في العقيدة: مدعو النبوة – الاستعانة والنذر لغير الله – الجماعات الخارجة عن الإسلام – التفريط أو الغلو الممنوع في الدين.



2- أمراض سياسية: الوجودية – الشيوعية – الماركسية – المذاهب الوضعية في نظام الحكم والإدارة.



3- أمراض اقتصادية: الربا – التضخم – ضعف الإنتاج – قلة الدخول – الفقر.



4- أمراض اجتماعية: التفكك الأسري – الاغتصاب – بيوت الدعارة – إسفاف الإعلام.



وعندما نقول إن الحل الإسلامي هو الدواء لكل هذه الأمراض يأتي جهابذة المسوفين فيقولون (لايمكن تطبيق الحل الإسلامي قبل تحقيق العدالة الاجتماعية) رغم أن العدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا في ظل الإسلام.









5- المتدرجون:



وهؤلاء ينادون بالتدرج ولكن ليتهم ينتقلون من مرحلة النداء إلى مرحلة التطبيق.



منذ عشرات الأعوام وهم ينادون بالتدرج ولا يتدرجون.. تسألهم أين برنامجكم للتدرج في التطبيق؟ لا تحظى منهم بغير الشعار.. تسألهم ماذا اتخذتم من خطوات؟.. يقولون (علينا ببناء الفرد.. ابدأ بنفسك وأسرتك أولاً).. وكأن بناء الفرد يتعارض مع الحل الإسلامي ولا يمكن أن يسير متوازيًا معه.. تسألهم ما هو حصاد ثلاثين أو خمسين عامًا من التدرج؟.. هنا يصيحون في غضب (عليك بالصبر والأناة..!!).



إن المناداة بالتدرج في تطبيق الشريعة دون خطوات عملية وبرنامج للتطبيق ما هو إلا تسويف لتعطيل الشريعة والوقوف ضد الحل الإسلامي.



إن مجتمعنا رغم وجود بعض المرتدين والمنافقين فيه إلا أنه مجتمع مسلم وليس كالمجتمع الجاهلي في مكة.. ثم إننا نتزوج ونطلق ونرث ونورث ونوصي بمقتضى كتاب الله وسنة رسوله وكل هذا يفند حجة التدرج؟.. ورغم أن الكاتب ليس مفوضًا بالحديث من قبل التيار الإسلامي إلا أنه يستطيع أن يزعم أن الكثير منهم لا يعارض التدرج إذا توافرت النوايا المخلصة وأخذت خطوات فعلية في هذا الطريق.







6- القاعدون:



ويدعي القاعدون أن القوانين المطبقة حاليًا تتفق مع الشريعة بنسبة 95% ويمكن تنقيتها من مواد قليلة تخالف الشريعة حتى إن المستشار محمد سعيد العشماوي كتب يقول (إن الدعوة لتطبيق الشريعة هي دعوى بدون داع وصيحة لا مبرر لها). هكذا حسبوها.. ولكن بعضهم ذهب لأكثر من هذا بأن الشريعة مطبقة بنسبة 99%.. أما كيف حسبوها وبأي مقياس فإنهم لا يستطيعون جوابًا.. يحاول المستشار محمد سعيد العشماوي الإجابة(5): فيقول (إن الشريعة تعني المنهج ويوجد فارق بين أحكام الشريعة والفقه ورغم هذا فلفظ الشريعة يستعمل الآن ليفيد معنى الفقه.. إن أحكام الشريعة الواردة في القرآن الكريم تتضمن أحكامًا في الأحوال الشخصية يعني الزواج والطلاق والمواريث وكلها مطبقة، وحكم واحد في المدني في تحليل البيع وتحريم الربا، وأربع عقوبات فقط هي حد السرقة وحد الزنا وحد القذف وحد الحرابة وقطع الطريق والحد الأخير هو بذاته العقوبة الموجودة في القانون المصري وهي الأشغال الشاقة المؤبدة أو الإعدام.. وبهذا يكون عندنا ثلاث عقوبات فقط غير مطبقة وهي (حد الزنا وحد السرقة وحد القذف).. هكذا حسبها المستشار العشماوي.. ولكن حتى وإن وافقناه على أن الشريعة غير الفقه فمن قال أن الشريعة ملزمة والفقه غير ملزم خاصة إذا أكدته السنة والإجماع.. على أى حال فلقد اعترف المستشار العشماوى بعدم تطبيق حدود الزنا والسرقة والقذف وسكت عن عدم تحريم القانون الحالى للتعامل بالربا بل وتقنينه لها .



إن زعم القاعدين بأن القوانين المطبقة تتفق مع الشريعة زعم باطل فهناك قوانين برمتها تخالف الشريعة مثل : قانون العقوبات ـ الحدود والقصاص ـ القوانين التى تسمح بتعاطى وجلب وتداول الخمور ـ القوانين التى تبيح الميسر ـ القوانين المنظمة لدور اللهو ـ المواد التى تبيح الربا فى القانون المدنى ـ الاتفاقات التى تبيح القروض وفوائدها ... كما أن القوانين الحالية سكتت عن كثير من الأمور باعتبارها مباحة مثل : الإعلام الهابط ـ اللهو الماجن ـ العرى ـ السفور ـ الاختلاط(8).



نأتى إلى دعوى القاعدين أن القوانين الحالية يمكن تنقيتها من مواد قلية تخالف الشريعة .. هكذا .. فبعد أن قطع مجلس الشعب المصري فى دورة 1979 شوطًا كبير فى تقنين الشريعة اختفت هذة القوانين فى مكتب رئيس المجلس السابق د. رفعت المحجوب وأنكر معرفته أو علمه بهذه القوانين ودعى إلى أن يكتفى بتنقية القوانين الحالية متبنيًا دعوة القاعدين.. ورغم أن هذه الدعوة لتنقية القوانين الوضعية مما يخالف الشريعة هى مجرد تلفيق وترميم لا يمكن الموافقه عليه إلا أنها أيضا لم تحظ باهتمام أى من المجالس السابقة.



ونود هنا أن نسأل القاعدين.. ألم تذهبوا إلى مؤتمرات مجمع البحوث الإسلامية؟ ألم تقرأوا توصياته؟ ألم تسمعوا عنها؟ لقد طالبوا بتحكيم شرع الله فى مؤتمرات 1963، 65، 66، 68، 71، 1977... وإذا كانت الشريعة مطبقه بالفعل فلماذا أجهدت هذه المؤتمرات نفسها طوال ثلاثين عامًا؟(6).. كما أن الحكم فى قضية تنظيم الجهاد أقر صراحة ( بأن أحكام الشريعة الإسلامية غير مطبقة فى مصر).



إن القاعدين من فقهاء السلطة يغيبون وعى الأمة ويكتمون ما أنزل الله لذا يحذرهم القرآن { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلا أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم }..(174 البقرة )



فليقعد القاعدون وحدهم كما يحلو لهم.. ولكن التيار الإسلامى يجب ألا يكون مع القاعدين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولا.

7ـ المبرمجون:



ويهتم هؤلاء المنادين بالحل الإسلامى بأنهم لا يقدمون برنامجًا تفصيليًا لحل المشكلات(11).



إن الأزمة التى تواجه الأمة ليست أزمة برامج وتفصيلات بقدر ما هى أزمة إدارة سياسية وأزمة قيادة واعية مسلمة .



حاش لله أن نقارن مع شريعته شئ ولكن الحركات الأيديولوجية التى يتغنى بها الدنيويون لم تعن إلا بالأيديولوجية أو العقيدة (فى مصطلحاتنا الإسلامية) والمبادئ العامة.. فالثورة الفرنسية رفعت شعارات (الحرية ـ الإخاء ـ المساوة) .. والشيوعية لم تهتم إلا بالمبادئ العامة.. ولذا فإن الدنيويين يكيلون بكيلين ففى الوقت الذى يطالبون فيه الإسلامين بتقديم برنامج فإنهم لا يلزمون أنفسهم بهذا حتى إن (ماركس) عندما أرسل ببعض الخطابات لأحد أصدقائه متضمنة بعض البرامج التفصيلية عاد وتنكر لها ووصف هذا بأنه نوع من الرجعية(6).



وحتى لا يساء الفهم فإن التيار الإسلامى لا يهرب من صياغة برامج تفصيلية إلا أنه يعتبر هذا شيئًا غير مطلوب مرحليًا خاصة وهو بعيد عن مقاعد الحكم ولكن المطلوب هو تقديم إطارات عامة للقضايا المختلفة خاصة فى ظل غياب المعلومات الكاملة .



ثم إن أغلب المشكلات الموجودة حاليًا مرتبطة بالمناهج والأساليب الوضعية التى تتخذها حكومتنا الدنيوية.. أى أنه ليس مطلوبًا من التيارات الإسلامية تقديم حلول وبرامج تفصيلية لمشاكل لم تتسبب فيها فى ظل مجتمع غير إسلامى .



إن أسلوب القطعة أو أسلوب الترميم أسلوب مرفوض لذا فإن التيارات الإسلامية ومنها حزب العمل ـ على وجه الخصوص ـ لن يتم إلا فى ظل مناخ إسلامي فأي حلول يقدمها التيار الإسلامي حاليًا هى حلول جزئية ومرحلية وما هى إلا مجرد مسكنات حيث إن الحل يجب أن يكون شاملاً فليس من المقبول أن تحل مشاكل الشباب بعيدا عن التعليم والإسكان والبطالة وغيرها... وغاية القول إن أسلوب القطعة مرفوض ولا يصلح إلا كمسكن ولفترة مرحلية (9).



وإذا افترضنا صحة اتهام السادة المبرمجين فلماذا لا يدلون بدلوهم ويساعدون فى وضع البرنامج ماداموا مسلمين ومفكرين؟!.. وإذا كانوا غير متحمسين فلماذا لا يدعون المتحمسين من المجتهدين لوضع هذا البرنامج بدل من تضييع وقتهم فى معارك جانبية معهم ؟..(8)



ورغم كل ما سبق فإن حجة المبرمجين غير صحيحة فلقد انتهى مجلس الشعب المصري عام 1982 من بعض قوانين تقنين الشريعة (المعاملات المدنية- العقوبات والحدود والتعزيرات – التجارة البحرية)..(4).. إلا أن مشروعات هذه القوانين قد ضاعت أو ضيعت في درج مكتب الدكتور المحجوب رئيس المجلس السابق.



حقيقة المبرمجين أنهم يحاولون استدراج التيار الإسلامي إلى الدخول في تفاصيل ليست لها قداسة المبدأ.. فإذا وجد البرنامج وسألتهم هل ستلتزمون؟.. يقولون نناقش أولاً.. وبعد ذلك يرفضون باعتبار أن هذا من قبيل الاجتهادات البشرية في فهم النصوص ولا يكونون بذلك خارجين عن الإسلام.. بل وكسبوا كثيرًا من الوقت.









8- الوكلاء (حماة الأقليات):



وهم يتحدثون عن الأقليات وكأنهم قد حصلوا على توكيلات منهم للدفاع عنهم.. يقول أحدهم (لا يقبل أحد منا أن ينقسم هذا الوطن وأن يشعر فريق من المواطنين قل أو كثر بالخوف من أن يحكم بعقيدة الآخرين ويشعر فريق آخر بالزهو للحكم بعقيدته)(11).. ثم يضيف (نحن لا نعرف سوى هوية المواطنة).. هؤلاء الوكلاء يتباكون على وحدة الوطن ولكنهم في حقيقتهم يسعون لشق صف الأمة وهدم وحدتها.



يقول الدكتور محمد يحي(10) (يدهشنا العلمانيون باستنادهم المطلق إلى حجة الوحدة الوطنية فهم ورثة العلمانيين الغربيين الذين حاربوا المسيحية حربًا مريرة.. لقد أنكروا كتبها المقدسة ووصفوها بالأساطير وسخروا من عقائدها الرئيسية بل وشككوا في وجود مؤسسها نفسه وأعلنوا حربًا شعواء على كل قيمها وأخلاقها وطاردوا كهنتها في كل مكان بنزعة تعرف في التاريخ الأوربي الحديث باسم العداء للإكليروس) ويضيف (إن المسيحيين بالنسبة للعلمانيين ليسوا أكثر من ورقة تستخدم للإثارة لحساب المرتدين الكفار من اللادينيين).



لقد تفنن مدعو حماية الأقليات في ابتداع الشبهات فهم يلقون في روع المسيحيين أن حقوقهم في المواطنة لا يمكن ضمانها في ظل الحكم الإسلامي.. وهذا قول مردود عليه فلقد تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأقليات غير الإسلامية في مجتمعه حتى مع اليهود والمشركين وهم أشد الناس عداوة ولم يكرههم على اعتناق الإسلام ووسعتهم معاهدته على أن لهم حرية العقيدة والتدين وأن ليهود المدينة ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.. ثم إنه صلى الله عليه وسلم تزوج مارية القبطية واستوصى بأقباط مصر خيرًا فإن لهم عهدًا ورحمًا كما أنه قد قال: "من آذى ذميًا أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة".. ونحن نعلم جميعًا كيف قضى عمر بن الخطاب للقبطي ضد ابن عمرو بن العاص قائلاً له اضرب ابن الأكرمين وقائلاً لعمرو "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"(1).



وإذا سقطت شبهة الدنيويين السابقة يسارعون بالإضافة (كلا إن حقوق الأقليات في المشاركة السياسية والاجتماعية لا يمكن ضمانها إلا في ظل نظم دنيوية).. وهو قول لعمري غريب بدليل أن النظم الغربية الدنيوية (الوضعية) لم تنصف أبدًا الأقليات العرقية أو الدينية.. ولنتأمل في وضع الزنوج في أمريكا ووضع المسلمين في الدول الشيوعية قبل سقوطها.. ولننظر في وضع الأيرلنديين في بريطانيا ولنمعن النظر في وضع الأقليات المسلمة في بورما والهند والفلبين.



وهنا يأتي السادة الوكلاء من الدنيويين إلى حجتهم الأخيرة فيدعون أنه لا يمكن تطبيق الشريعة الإسلامية أو الحكم بما أنزل الله لأن هذا يمثل مساسًا بحقوق هذه الأقليات في المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات.. ولأن هؤلاء الوكلاء حريصون على الإسلام حرص أخوة يوسف على يوسف فإنهم يخشون أن ترفض هذه الأقليات تطبيق الشريعة فيثير هذا كثيرًا من الفتن والاضطرابات.. يا له من حرص ويا لها من طيبة قلب!!.. ولكنه قلب أسود يحقد على الإسلام.



وهنا سنفترض حسن نية السادة الوكلاء أو المفوضين – رغم عدم تأكدنا من ذلك – ونسألهم.. هل تتخلى الأغلبية عن هويتها ودينها ومقدساتها طلبًا لمرضاة الأقلية؟ أليس هذا نوعًا من الاستبداد؟.. ثم هل تقبل الديمقراطية التي تتشدقون بها هذا الاستبداد ؟.. ما رأيكم في لو أن الأقلية المسلمة في أمريكا أو حتى في الفلبين أو الهند طالبت الأحزاب الحاكمة بالتخلي عن برامجها لتطبيق الحل الإسلامي؟ أجيبونا يرحمكم الله.. قطعًا لن يجيبونا.



نعود فنسأل ما هو أقصى ما تطالب به الأقليات المسلمة في هذه المجتمعات؟.. ربما يطالبون بتأمين حقوقهم وأن يعيشوا وسط هؤلاء آمنين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم.. ربما يطالبون بالسماح لهم بتأدية الفرائض.. أو حتى خروج صوت الأذان لخارج المسجد، ولكن حتى هذا الطلب الأخير سيرفضونه.. ولكن لماذا نسأل ونفترض ونجيب؟.. لماذا لا ننظر للواقع؟.. هل يستطيع المسلم الأمريكي مثلاً أن يتزوج أكثر من واحدة؟.. قطعًا لا يستطيع لأن قانونهم المسيحي أو الوضعي يحرم عليه ذلك.. في المقابل نجد أن الشريعة الإسلامية تمكن لهم أن يطبقوا شرعهم في مسائل الأحوال الشخصية فيما بينهم.. نعود فنسأل.. هل يستطيع المسلم الأمريكي أن يطالب المحاكم الأمريكية بتطبيق قواعد الميراث الإسلامية؟.. ثم إذا طلق المسلم الأمريكي زوجته هل يعطيها النفقة الشرعية أم أنه سيضطر لأن يعطيها نصف أمواله عند الطلاق احترامًا للقانون الأمريكي؟.. ورغم أن السادة الوكلاء حماة الأقليات مفتونون بالغرب إلا أنهم في هذه النقطة لا يفتنون ويحرضون الأقليات على الاعتراض على تطبيق شريعة الأغلبية.. أليس هذا نوعًا من الاستبداد؟



ومازال السادة المفوضون حماة الأقليات يشككون.. إذن فلنسوق لهم شهادة بعض أصدقائهم من المستشرقين لعلهم يصدقون.. يقول أحدهم ويدعى دوجوا فار (إن من أسباب سقوط الدولة العثمانية هو مبالغتها في إعطاء الحرية المذهبية للأمم المسيحية التي خضعت لها مما ساعدها على الانفصال).. ويقول بطريرك أنطاكية واسمه ماركوس (أدام الله دولة الترك خالدة إلى الأبد.. فهم يأخذون ما فرضوه من جزية ولا شأن لهم بالأديان.. سواء أكان رعاياهم مسيحيين أو يهودًا أو سامرة)(6)



يستشهد الشيخ صلاح أبو إسماعيل(1) بكلمة الأنبا شنودة التي ألقاها أمام الرئيس السادات يوم وضع حجر الأساس لمستشفى مار مرقس وهو يقول (إن غير المسلمين لم ينعموا بحقوقهم كاملة إلا في العصور التي ازدهر الحكم بالشريعة الإسلامية) ثم برهن الأنبا شنودة على ذلك بقوله (كان عمر يقضي بين علي بن أبي طالب ويهودي فقال عمر اجلس بجانب خصمك يا أبا الحسن حتى ننظر في القضية.. فعرف الغضب في وجه على فقال عمر إنها المساواة يا أبا الحسن بين الخصمين في مجلس القضاء فقال علي: ما غضبت لتحقيق المساواة وإنما لانعدامها فقال عمر وكيف ذلك فقال علي بن أبي طالب دعوتني بالكنية وقلت يا أبا الحسن والكنية تكريم وناديت الخصم بالاسم المجرد فلم تسو بيني وبينه حين أعطيتني من التكريم ما لم تعط خصمي).. والفضل ما رددته ألسنة من غير ملتنا.. (انتهى كلام الشيخ صلاح).. والشهادة من من؟.. من البابا شنودة بابا الكنيسة القبطية والمدافع عنها.. وأمام من؟.. أمام الرئيس السادات والمردد لمقولة (لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة) والذي سجل في كتابه (البحث عن الذات) أن مثله الأعلى مصطفى كمال أتاتورك.



يتضح من هذا أن الدنيويين يحرضون الأقليات ضد الأغلبية لزعزعة الاستقرار لغرض في نفس يعقوب قد أوضحناه.. إذن فهم يريدونها فتنة غير مبررة يزكون نارها.. ولكن نار الفتنة ستحرق الجميع فهل من مدكر؟ أم أن الأقفال مازالت على قلوبهم والغشاوة مازالت على عيونهم.





9- المغرضون (المتشدقون بالرحمة):





وهؤلاء يدعون أنهم رحماء وفي المقابل فنحن القساة غلاظ القلوب..



لهذه الدراسة مناسبة تتعلق بهذه الجزئية.. في عام 1988 كان لنا حوارات مع بعض الإسلاميين والدنيويين وكنا نرفع شعار تطبيق الشريعة لأننا نفهم الشريعة بمفهومها الشامل ولكننا كنا نفاجأ بالدنيويين يردون علينا (إذن أنتم تريدون قطع يد السارق وجلد الزاني).. هذا هو مفهوم الشريعة عندهم لذا فقد وجدنا أن المناداة بـ(الحل الإسلامي) لا يحتمل اللبس الذي يحتمله (تطبيق الشريعة) عند البعض.



المغرضون كما قلنا إما بسوء نية وإما لفهمهم القاصر يقصرونها على موضوع الحدود.. في المقابل فإننا عندما ننادي بتطبيق أو تحكيم الشريعة فإننا نقصد معناها العام بالتماس شرع الله في كل مناحي الحياة.. نقصد بتحكيم الشريعة (أن نرضى بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولاً) نقصد العمل على تحقيق مقاصد الشريعة كلها لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها.. والمقصود هنا كل المصالح بأقسامها المختلفة:



أ‌- الضرورية (الدين – النفس – العقل – المال – العرض).



ب - حاجية (البيوع – سائر المباحات).



ج - تحسينية (ليكتمل بها كمال الأمة.. وهى إذا فقدت لا يختل نظام المجتمع ولا تصعب الحياة ولكن لا يظهر المجتمع والمسلمون بالمظهر اللائق بهم).



غاية القول أننا نفهم الشريعة على أنها نظام متكامل للحياة والحكم.. ولكن السادة المغرضين مصرون على موقفهم فيضيفون: إن الحدود والقصاص من العقوبات البشعة التى لا تتلائم مع مدنية هذا العصر لأن نظريات علم الإجرام والعقاب الحديثة تنظر إلى مرتكب الجريمة على أنه مريض يستحق الرحمة والعلاج لا مجرم يستحق العقاب .



وفى البداية وقبل أن ندخل فى حوار مع السادة المغرضين نسألهم.. هل أنتم مسلمون؟.. فإذا أجابوا بالإيجاب نسألهم أليس الله رب العالمين هو الذي قرر هذه العقوبات؟.. أليس الله هو الخالق وهو أدرى بخلقه؟.. فإذا عادوا وجحدوا ففي إسلامهم شك وننتقل معهم إلى الحوار العقلانى وندعو لهم بالهداية .



بماذا يستدل المتشدقون بالرحمة؟ بالنظريات الحديثة فى علم الإجرام؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!.. إذن فهي نظريات والنظريات غير ثابتة وقابله للتغير والتبديل وقد سبقتها نظريات وسيتلوها نظريات طالما وجد الإنسان على وجه البسيطة.. ورغم هذا سنناقش نظرياتهم.. إن الله سبحانه وتعالى عندما شرع هذه العقوبات وهو الذى سوى النفس وألهمها فجورها وتقواها راعى العوامل النفسية التى تدفع مرتكب الجريمة إلى ارتكاب جريمته.. لذا فقد واجهها الشارع بالعوامل النفسية التى تقابل هذه العوامل وتتغلب عليها .



يسأل الدكتور محمد صلاح الصاوى: لماذا يسرق السارق؟.. ليحصل على المال لينفقة ويظهر بمظهر الوجهاء .. لذا فقد حذرة الشارع بأنه إذا سرق فسيقطع يده وستقل قدرته على الإنفاق ولن يتمكن من الظهور بمظهر الوجهاء لأن أثار العقوبة ستظل عالقة بيدة تحذر الناس منه (6).. وفى المقابل فإن الإسلام لا يقف فى وجه الكسب الحلال.



ما الذى يدفع الزانى إلى الزنا؟.. أليست الرغبة فى المتعة الحرام؟.. إذن فقد قابلها الشارع بعقوبة غليظة تصيب بدنه كله كما عمت المتعة الحرام بدنه كله (6).. وفى المقابل فإن الإسلام ينظم الغريزة ولا يكبتها ويحث على الزواج صيانة للأعراض وتحفظًا من اختلاط الأنساب وانتشار الأمراض.



إذن فالحدود فى الإسلام ليست عقوبات فقط ولكنها روادع وزواجر للناس كما أنها متنوعة ومناسبة لنوع الجريمة وحجمها.. فإذا كانت العقوبة هشة رخوة فإن مريد الحرام يوازن بين ما يتحقق له من جريمته وبين العقاب الذى ينتظره(6) .. وإذا كانت العقوبة هشة فإن مرتكب الجريمة يعتاد الإجرام حتى إن بعضهم يعود إلى ارتكاب جريمته عشرات المرات .



عند هذا يردد خصوم الإسلام من المغرضين شبهة أن الحل الإسلامى سيحول غالبية المجتمع إلى مجموعة من المعوقين والمشوهين نظرًا لانتشار الجريمة والتنامي المستمر فى معادلاتها.. يقولون كيف نقطع ربع أيدي المجتمع مثلاً وكيف نرجم أو نجلد نصفة؟.. وفي هذا القول مبالغة فى تصوير الواقع حيث يصور المجتمع على أنه عصابة من اللصوص والقتلة والسكارى والزناة.. وكما قلنا إن مجرد الإعلان عن تطبيق هذه العقوبات سيهبط بمعدلات الجريمة بدرجة كبيرة لأن هذه العقوبات ما هي إلا روادع وزواجر قبل أن تكون عقوبات.



إن تطبيق الحدود فى عهد الملك فيصل وطوال سنوات حكمه اقتصرت على قطع يدي اثنتين فقط فى طول المملكة السعودية وعرضها وكان مقابل هاتين اليدين قطع دابر السرقة من المملكة.. وفى المقابل فقد نشرت وكالة التحقيق الفيدرالية الأمريكية تقريرًا عام 1983 أوضحت فيه أن هناك جريمة كل ثلاث ثوانى فى الولايات المتحدة.. وأشار التقرير إلى أن هناك جريمة قتل كل سبع وعشرين دقيقة وجريمة اغتصاب كل سبع دقائق (وجريمة زنا كل لحظة بالطبع) وسرقة كل سبع وستين ثانية وسرقة سيارة كل إحدى وثلاثين ثانية وجريمة سطو كل عشر ثوان وسرقة أمتعة صغيرة كل خمس ثوانى(6).. فالفرق إذا بين المجتمع الإسلامى والمجتمع الغربي هو الفرق بين الشريعة والقانون أو الفرق بين العقيدة واللاعقيدة حتى نكون أكثر إنصافا.



إن القوانين الوضعية في المجتمعات الغربية لا تقضي على السرقة بل إنها تشجع مريدي الإجرام على التمادي فيها.. وليت السارق يقتصر على السرقة بل إن السرقة في أغلب الأحوال تكون مصحوبة بحوادث الاغتصاب والقتل حتى أن أغلب حوادث القتل فى أمريكا تكون ناجمة عن السرقات.



ثم إن الدين الإسلامى دين عملى لا يعرف السجون.. فالمجرم أو الجاني يقام عليه الحد وينخرط فى المجتمع يعمل مثله مثل غيره.. إنه نوع من السفه أن ننفق على المجرم ونبنى له السجون فيكون قد أضر بالمجتمع مرتين.



ثم إن هذه الحدود لها صورتها الدقيقة التى تضمن عدالة التطبيق ويحكم ذلك المبدأ الإسلامى (درء الحدود بالشبهات).. وهنا يتنطع المغرضون ويقولون (مادامت هذه الشروط صعبة التحقيق إذن فلا داعى لتطبيقها).. هنا يرد عليهم الدكتور على حسنين(4) (وماذا عن الاعتراف؟.. أم أنكم تفترضون أن أصحاب الضمائر الحية قد أنقرضوا).



ونود هنا أن نسأل المتباكي من الأولى بالبكاء عليه وطلب الرحمة له.. مرتكب الجريمة أم الذي أضير بها؟.. القاتل أم المقتول؟.. الوحش الآدامى أم التى انتهك عرضها؟.. اللص أم المجتمع الذى أضر به؟..







10ـ المتطورون (أنصار التحديث .. أدعياء المعاصرة):



وهذا الفريق يفلسف لشبهته بأن الحياة تتطور ولا ثبات فيها وفى المقابل فإن أحكام الشريعة ثابتة ولا مجال فيها للتجديد. هكذا يفلسفون وظنوا أنهم قد كسبوا ضد الإسلام جوله.. لذا فإنهم يعودون إلى ضلالهم القديم بأنه من الخير للإسلام أن يبقي عقيدة فى الصدور وشعائر فى دور العبادة وتترك أمور الحياة للقوانين الوضعية التى تستلهم واقع الحياة المتجدد.



ما من شك أن أحكام الشريعة منطقة مغلقة لا مجال للتطوير أو التجديد فيها وهو ما يتعلق بأصول العقيدة والأخلاق فهذا لا مجال فيه لتغيير أو تجديد.. فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله لا مجال للاجتهاد فيه على سبيل المثال.. أما الفروع الجزئية والتفاصيل والذى لم يرد فيه نص من الكتاب أو السنة فهذه فى أغلبها تتسم بالمرونة والتجدد وهى ما تسمى (منطة الأدلة الظنية) ونادرًا ما تجد فيه (أدلة قطعية محكمة) ولقد أرادها الله كذلك فالله أدرى بخلقه والله أدرى بتطور الحياة من هؤلاء المتطويرين.. وهنا يكون مجال الاجتهاد ومجال الاختلاف.. واختلاف الفقهاء رحمة واسعة كما يقولون .



ثم نأتى لقطعه بأن الحياة فى تطور مستمر ولا مجال فيها للثبات.. وهذا الأمر على إطلاقه هكذا غير صحيح.. فالحياة فيها سنن واضحة لا تتغير ولا صلة للإنسان فيها، وفيها أحوال متجدده هيأ الله خلقه لها.



هناك أمور ثابته للحياة واجهتها الشريعة بأحكام قطعية محكمه ..



فميل الإنسان لاشباع غريزته أمرثابت لم يتغير منذ بدء خليقته ومن هنا كان حكم الشريعة ثابت لا يتغير وهو (تحليل الزواج وتنظيمه والحث عليه وفى المقابل تحريم الزنا ومعاقبة مرتكبيه).. أمر ثابت فى الحياة يقابله حكم قطعي محكم فى الشريعة.. ومن الأمور الثابتة أيضًا حب الإنسان للمال لذا فقد حلل الله الكسب الحلال وتنمية المال وحرم السرقة لما بها من أضرار لباقى العباد.



اذهاب الخمر للعقل أمر ثابت ومن هنا كانت الشريعة أحكام ثابتة لا تقبل التغير لمقابلة هذه الثوابت .



فإذا كان السادة المتطورون يريدون الاجتهاد والظنيات لتحقيق مقصد الشريعة في مصلحة العباد فإننا معهم فى هذا بشرط أن يكون هناك ضوابط للاجتهاد وأن يمارس من أهله ولا يخرج على الأدلة الشرعية وبشرط أن يتوافر فيه حسن النية وسلامة المقصد وإلا كنا محرفين لشرع الله. إن الله لطيف بعباده وحاشا له أن يكلف عباده ما لا يطيقونه وهو أدرى بخلقه وهو يريد بعباده اليسر ولا يرد بهم العسر. ونود أن نحذر الإخوه المتطوريين من المسلمين لأن تشكيكهم في وفاء الشريعة بحاجيات الإنسان هو تشكيك في الخالق عز وجل واتهام له – تعالى شأنه عن إفكهم – بالجهل والظلم وعدم الحكمة وفي هذا خروج عن الملة(6) .. فليحذر الإخوة الخوض في هذا إذا كان هناك بقية من إسلام.. وليحذروا المجادلة بحجة التجديد في الثوابت والقطعيات التي حسمها الشارع في نصوص محكمة.. وليحذر علماء المسلمين من الخضوع لأهواء هؤلاء بحجة التجديد والتطوير في شرع الله.. فإنهم للأسف قد يقولون بمبدأ المصلحة.. (أينما كانت المصلحة فثم شرع الله).. وهو قول صحيح بشرط ألا تتعارض المصلحة مع ما ورد فيه نص أو حديث أو إجماع.



الحقيقة إن السادة المتطورين – نسأل الله أن يعافينا ويعافيهم – يجدون في الشريعة كبحًا لجماح أهوائهم وأن أحكام الشريعة تقف حجرًا عثرة في وجه دعاة العربدة والتحلل لذا فإنهم يتهمون الشريعة بالجمود لأنها لا تتساير مع شهواتهم وأهوائهم إن السادة المتطورين لا يتعدون مجموعة من السكارى والفاسقين والمرابين وأصحاب الفن الرفيع (أقصد الخليع).. كما أنه من السادة المتطورين من تطور من الجنس الأول والثاني إلى الجنس الثالث (المتخنثاتون) حتى تكون جمع مذكر ومؤنث في آن واحد.







11- المتحررون والتقدميون:



يدعون أن النظام الإسلامي يعيبه الكبت.. وإذا كانوا يقصدون بالكبت الحجر على العقول ومنعها من التأمل والإبداع فهذا محض كذب أو افتراء لأن الإسلام يحث على طلب العلم ويحث على إعمال العقل والتفكير في خلق السماوات والأرض.



وإذا كانوا يقصدون بالكبت كبت الغرائز بمعنى أن الإسلام يقف ضد إشباع الغريزة والتنفيس عنها فهذا كذب آخر لأن الإسلام ينظم الغرائز ويهذبها ولا يكبتها وإلا لما أحل الله الزواج وتنمية المال وحث على حسن معاملة الأبناء والآباء.



أما إذا كانوا يقصدون بالكبت زجر النفس ونهيها عن الهوى والمحرمات فهذا صحيح ولا يصح الإسلام إلا به ونحن من أنصار الكبت.. وإلا فليجبنا المتحررون ماذا فعلت تلك الحرية؟.. حرية الانحلال ماذا فعلت بأوربا؟.. لقد فقد الإنسان معنى الإيمان فهو يعيش في شقاء نفسي لا ينجو منه إلا بالانتحار أو المخدرات(6).



يدعي السادة التقدميون أن الإسلام يعود بنا إلى عصور الرجعية.. نسألهم ماذا يقصدون بالرجعية.. إذا كان المقصود الانغلاق على بعض الأقوال الباطلة والعقائد الدخيلة والتي عرفتها الأمة في عصور الانحطاط والركود من كهانة وتواكل ودروشة وتقييد للفكر.. إذا كان هذا هو المقصود فإن هذا مرفوض ومنكر لأن الفرق التي تتبنى مثل هذا الفكر وبال على الدين.. أما إذا كان المقصود بالرجعية الاقتداء بالسلف الصالح في طلب الحق والاستفادة مما تركوه وهو ما يسمى (سلفية المنهج وعصرية المواجهة)(6).. إذا كان هذا هو المقصود فإننا نؤمن بهذا ونحن أول الرجعيين.. إذن فليس كل ما تعلق بالماضي مذموم ولا كل ما تعلق بالحاضر محمود بل العبرة بموافقة الشرع.. إذن فلنحذر اللعب بالألفاظ ولنسم الأشياء بمسمياتها.. فهذا الذي يسمونه فنًا ما هو إلا فجور وما يسمونه تحرر وتقدمية ما هو إلا حرية الفسق.



إنهم ينادون بالتحرر.. فإذا كان المقصود التحرر من عبودية كل شيء إلا العبودية لله فهذا ما ينادي به الإسلام ونحن معهم من الأحرار ونؤمن باستنكار سيدنا عمر (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟).



أما إذا كانوا يقصدون بالتحرر التحرر من العبودية لله والتحرر من تكاليف الأحكام والشرائع فهذا هو الخسران المبين.. إذا كانوا يقصدون التحرر من الدينونة لله فهذا دونية وانحطاط وليس تحررًا.. إنها عبودية للهوى وانقياد خلف الغرائز.. إنهم يقصدون بالتحرر تبرج المرأة.. يقصدون ممارستها البغاء مع من تشاء مادامت قد بلغت سن الرشد (18 عامًا).. هكذا تقول قوانين الغرب الوضعية التي يفتنون بها.. يقصدون بالتحرر إباحة الخروج عن الإسلام (الردة).. يقصدون الجرأة على المقدسات وإشاعة الرذيلة.. وإذا ارتفع صوت يعيدهم إلى رشدهم ألهبوا ظهره بالسياط واتهموه بمصادرة حرية الفكر وقتل طاقة الإبداع.



ثم إنهم يزيدون بأن الإسلام ضد التقدم والمدنية.. إذا كان المقصود بالتقدم تنشيط حركة البحث العلمي والتفكر في آيات الله واكتشاف أسرار التقنية فهذا يحث عليه الإسلام.. أما إذا كان المقصود نبذ التراث الإسلامي وتوظيف منجزات التقنية في الإغراء بالفواحش وإشاعة الفساد والكسب الحرام فهذا ما يرفضه الإسلام.



المنجزات العلمية في حد ذاتها لا هوية لها ولا جنسية ولا حكم في ذاتها بحل ولا بحرمة.. ولكنها إذا وظفت في المباحات كانت مباحة وإذا وظفت في الواجبات كانت واجبة وإذا وظفت في المحرمات كانت محرمة وهكذا(6).. جهاز الفديو على سبيل المثال إذا عرض فيه أفلام الرذيلة فهو حرام.. وإذا وظف في العوة إلى الإسلام فهو من الواجبات وإذا استخدم في تعليم العلم الدنيوي أو الترفيه البريء فهو من المباحات.. وهكذا.







12- المحرفون:



وهؤلاء يحرفون الكلم عن موضعه.. يقول المستشار محمد سعيد العشماوي في تفسير المادة الدستورية (الإسلام دين الدولة).. (معنى قيام الدولة على الإسلام أن يكون الإسلام مرعيًا في أعمال الدولة وأنشطتها وألا تكون مؤسسات دينية خارجة عن نظام الدولة نفسه.. والمؤسسات الدينية الإسلامية والمسيحية تعد من أجهزة الدولة ومؤسساتها.. فيعين رؤساؤها بواسطة رئيس الدولة كما أنها تمارس نشاطها وفقًا لقوانين الدولة غير مستقلة في ذلك عنها).. وهو بهذا يعكس الوضع.. فبدلاً من أن تستقل المؤسسات الدينية حتى يمكن أن تجتهد وتوجه وتفتي فيما يغيب عن الدولة وعن المسلمين بعيدًا عن هيمنة الدولة حتي يكون اجتهادها بعيدًا عن أي تأثير لأن الإسلام هو المرجع طبقًا للدستور فإن سيادة المستشار يدعو إلى تحكم الدولة في تلك المؤسسات الدينية إسلامية كانت أو مسيحية.. وإذا كانت المؤسسات المسيحية في مصر لها استقلاليتها عن الدولة فهل يدعو سيادة المستشار إلى هيمنة الدولة عليها؟.. وإذا كان لا يدعو إلى ذلك فلماذا يستكثر على الأزهر أن يكون مستقلاً عن الدولة بأن يكون شيخ الأزهر على الأقل بالانتخاب بدلاً من التعيين؟.. ويستمر المستشار في تفسيراته فيقول (إن الدستور لا يقصد الربط بين نظام الحكم والإسلام.. فالدولة ليست هي نظام الحكم).. وهنا نسأله.. إذا لم يكن نظام الحكم من أهم مهام الدولة في نظر السيد المستشار فماذا تكون مهام الدولة في نظره؟







يضيف المستشار العشماوي (إن ما يمكن تطبيقه من أحكام التشريع الإسلامي مطبقًا بالفعل وعطلات الدولة هي بذاتها الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية) وتأكيدًا لما ذهب إليه فإنه يستشهد بالغرب كعادة الدنيويين (وكل دول العالم الغربي تقوم بالفعل والواقع على المسيحية دين غالبية المواطنين فيها. فعطلاتها الأسبوعية والسنوية هي بذاتها الأعياد والاحتفالات المسيحية).. وطبقًا لهذه الرؤية فإن الدول التي تكون عطلتها الأسبوعية يوم الجمعة تكون دولة إسلامية وتلك التي عطلتها يوم السبت تكون يهودية.. ولكن ما رأي سيادته إذا غيرت انجلترا أو إيطاليا عطلة نهاية الأسبوع من الأحد إلى الجمعة؟.. ترى هل تتحول بهذا من المسيحية إلى الإسلام؟.. إنه التحريف الذي يحول الإسلام إلى (إسلام العطلات الرسمية الدينية).



13- المتحججون بالعنف:

وهؤلاء يصرخون.. نحن لم نر من التيار الإسلامي إلا إسالة الدماء وتمزيق الأشلاء والسطو على المحلات العامة وتهديد القانون وتمزيق الوطن بالفتن.. إذا كانت هذه هي البدايات فبئس الخواتيم(11).

يرد الدكتور محمد عمارة(11).. نحن ضد العنف.. لكننا يجب أن ندين عنف الدولة أيضًا.. من الذي يقول أن عنف الفرد أو الجماعة يوازي عنف الدولة.. الدولة عندما تمنعني من أن يكون لي حق التفكير والتعبير والتنظيم فهذا عنف ما بعده عنف وكل ما ترونه من العنف أنياب وأظافر للحركة الإسلامية عندما وضعت على المحرقة..

هنا يعاود الدنيويون اعتراضهم.. أليس التنظيم السري جزءًا من فصائل الإخوان.. وهل يدينونه اليوم أم لا.. ويستمر في تنطعه فيتحدث عن الأربعينيات هل مقتل النقراشي ومقتل الخازندار هي بدايات الحل الإسلامي الصحيح؟(11).

يجيب المستشار مأمون الهضيبي(11).. نحن نفخر ونتقرب إلى الله بالجهاز السري.. الجهاز الخاص أو السري هو جيش أعد أصلاً لكي يحارب الإنجليز في القناة ولقد ساهم بالفعل في جلاء الإنجليز ودماء شهدائنا مازالت موجودة هناك.. ثم هذا الجيش الذي ذهب إلى فلسطين بغير إكراه وبغير أن تجنده الحكومة لقد أريق دمه وأزهقت روحه ضد اليهود في فلسطين.. أما النقراشي فلقد حل جماعة الإخوان المسلمين وألقى القبض على المجاهدين العائدين من فلسطين.. ورغم هذا نحن لا نبرر قتل النقراشي كما أننا قد أدنا قتل الخازندار.. ولكن إذا جاء من يخرج عن الطوع ويرتكب حادثة يصبح جميع الإخوان إرهابيين...!!

نعود فنكرر.. التيار الإسلامي ضد العنف المضاد.. وضد أن ينسب عنف بعض التيارات إلى التيار الإسلامي كله.



14- المتعلقون بالفروع:

وهنا يرفع‍‍ البعض شعار الاشتراكية في مواجهة الإسلام مع أن الإسلام أول من طبق العدالة الاجتماعية بمفهومها الصحيح.. ولكن بقدر ما يقترب الإسلام من مفهوم العدل الاجتماعي بقدر ما يبتعد عن الاشتراكية العلمية التي عفا عليها الزمان وأثبتت فشلها في عقر دارها.. وهناك من يرفع شعار (الديمقراطية هي الحل) في مواجهة الحل الإسلامي ليس حبًا في الديمقراطية بقدر ما هو نكاية في الحل الإسلامي.. بدليل أنهم حتى عهد قريب كانوا يتغنون بالدكتاتورية ويهددون بالمعتقلات والسجون.. وبافتراض حسن نواياهم فإن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية لأن الشورى مبدأ أصيل في الإسلام.. ثم هم يرفعون شعارات الوطنية والعروبة والاستقلال والحرية وحقوق الإنسان.. مع أن الإسلام يستوعب كل هذا.. فلماذا نتعلق بالفروع والأهداب ونترك الأصل.

إن هذه الأفكار والتوجهات التي يتبناها المتعلقون بالفروع لا تتعارض مع الإسلام ولكنها جزء من كل وتحتاج إلى مساحة أكبر ربما نتعرض لها في دراسات أخرى.



خاتمة

ونود أن نؤكد للسادة الدنيويين أن الدليل على استجابة الشعب لبرنامج الحل الإسلامي.. أن أغلب الحركات الإسلامية في مصر وخارجها تبنت برنامج الحل الإسلامي وخاضت به انتخابات الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية والمجالس التشريعية وكان لها الغلبة، بفضل الله وباقتناع شعوبنا المسلمة بضرورة الحل الإسلامي.

ولا يسعنا في النهاية إلا أن ندعو لأنفسنا ولرافضي الحل الإسلامي {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين}..

صدق الله العظيم.

******



المراجع



1- صلاح أبو إسماعيل،1987، "اتقوا الله في مقدساتنا ولا تلعبوا بالنار" جريدة الأحرار – القاهرة – 20 أبريل 1987، ص4

2- عادل حسين، 1989، "الدنيويون فقدوا أعصابهم!" جريدة الشعب – القاهرة – 11 أبريل 1989، ص4

3- د. عبد الغفار عزيز، 1989، "الإسلام السياسي بين الرافضين له، والمغالين فيه"، دار الحقيقة للإعلام الدولي – القاهرة، ص9– 29، 302.

4- د. علي حسنين، 1985، "ورقة ثقافية.. حتى لا تظل الشريعة نصًا شكليًا"، الزهراء للإعلام العربي – القاهرة ص23: 39، 123.

5- مستشار. محمد سعيد العشماوي، 1990، "حوار مع جريدة الأحرار"، جريدة الأحرار – القاهرة – 16 يوليو 1990، ص5.

6- د. محمد صلاح الصاوي، 1990، "قضية تطبيق الشريعة بين المبدأ ودعاوى الخصوم"، بيت الحكمة – القاهرة، ص83: 183، 219.

7- د. محمد عمارة، 1987، "قضايا إسلامية.. الدين والدولة"، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة، ص11: 65، 242.

8- د. مجدي قرقر، 1989، "الرافضون للحل الإسلامي"، جريدة الشعب – القاهرة 7 مارس 1989، ص12.

9- د. مجدي قرقر، 1992، "حوار مع صوت الشعب"، جريدة صوت الشعب – القاهرة – 19 يناير 1992، ص6.

10- د. محمد يحي، 1985، "ورقة ثقافية.. في الرد على العلمانيين"، الزهراء للإعلام العربي- القاهرة، ص41: 69، 105.

11- ندوة، 1992، "مصر بين الدولة الدينية والمدنية"، مجلة أكتوبر – القاهرة – 19 يناير 1992، ص35.
د. مجدي قرقر © 2008 | تصميم وتطوير حسن