" الغضب " كان عنوان المقال الماضي .. و " الجوع " عنوان مقالنا اليوم .. وإذا كانت نتائج الغضب مدمرة فإن غضب الجياع نتائجه أخطر.. ومن هنا فإننا نحذر وندق الأجراس لأن شعب مصر صبره طويل وصمته أطول ولكن غضبته مدمرة وثورته عارمة .
الجوعبقلم د. مجدي قرقر
qorqor53@hotmail.com
تضمنت فعاليات معرض القاهرة للكتاب احتفالية باسم " نجيب محفوظ " بمناسبة ذكرى ميلاده التسعين .. وفي إطار هذه الاحتفالية عرضت بعض الأفلام المأخوذة عن رواياته وكان أولها فيلم " الجوع " إخراج علي بدرخان .. بطولة عبد العزيز مخيون - سعاد حسني - محمود عبد العزيز ويسرا .
كتب السيناريو والحوار لهذا الفيلم مصطفى محرم عن روايـــــــــة " سارق النعمة " وبعض حكايات " الحرافيش " لنجيب محفوظ .
*****
يجرد الفيلم الزمن الذي وقعت فيه الأحداث حيث تدور أحداث الفيلم في زمن بعيد دون تحديد فترة زمنية معينة .. وتقع أحداثه في حارة شعبية بالقاهرة وصورت مشاهده الداخلية في بيت مملوكي وإن لم يشر لفترة زمنية كما أشرنا .. تتعرض الحارة مثلها مثل باقي ربوع مصر لضنك العيش نتيجة للقحط الذي أصاب مصر بانخفاض فيضان النيل .. يستغل المعلم فرج الجبالي ( محمود عبد العزيز) - تاجر الحارة - هذا الضنك ويضاعف الأسعار .. يتزوج زوجة ثانية ثرية ( يسرا ) ويتفق معها على شراء غذاء المنطقة وتكديسه في المخازن لاحتكار السلع والمتاجرة بقوت الفقراء .. يزعم فرج بأن المخازن خاوية ولذا يضطر لرفع السعر .. يطرد الفقراء و الجوعى الذين لا يملكون ثمن الغذاء .. يكشف جابر الجبالي ( عبد العزيز مخيون ) - أخو فرج من الأب - يكشف كذبه .. يحرض الفقراء والجوعى على مواجهة فرج لفتح المخازن وبيع الغذاء بسعره الحقيقي دون استغلال .. فقراء وجوعى الحارة لا حيلة لهم ولا حول ولا قوة .. يضعون أيديهم على خدودهم منتظرين عودة الجبالي الكبير - الولي - الذي توفى منذ سنوات .. يضعون أملهم في الخلاص على حلم عودة الجبالي .
جابر الجبالي يحاول أن يقنعهم بعدم جدوى الانتظار وتصديق الخرافات وأنه لا حل إلا بمواجهة المفسدين والمحتكرين والمستغلين .. في المقابل شيخ المسجد ينصحهم بالصبر والاستكانة وانتظار الفرج .. سعاد حسني فتاة الحارة البائسة تحزم متاعها لمغادرة الحارة لتستر فضيحتها بعد أن اعتدى عليها أحد ذئاب الحارة المفسدين .. يقنعها جابر بأن تبقى .. يستر عليها ويتزوجها .. يأخذ بيدها .. يعلمها بعض آيات القرآن الكريم من سورة الماعون
" أرأيت الذي يكذب بالدين ْ1ْ فذلك الذي يدع اليتيم ْ2ْ ولا يحض على طعام المسكين ْ3ْ فويل للمصلين ْ4ْ الذين هم عن صلاتهم ساهون ْ5ْ الذين هم يراؤون ْ6ْ ويمنعون الماعون ْ7ْ ".. يعلمها بعض معاني السورة في تحذيره سبحانه من عدم الأخذ بيد اليتيم ورعايته وظلمه وأكل حقوقه وعدم إطعام المسكين .. يرتب جابر على ذلك ضرورة مواجهة المفسدين الذين ( يمنعون الماعون) فهم لا يحسنون عبادة ربهم ولا يحسنون معاملة خلقه بمنع الخير عنهم وعدم إخراجهم زكاة مالهم أو صدقته .. تكذب زوجته إمكانية مواجهة المفسدين وإن أظهرت بعض التشجيع إكراما له .
حال الفقراء الجوعى يزداد بؤسا .. أخت يسرا - زوجة فرج - تتزوج أحد المفسدين .. يرائي العريس بتقديم الطعام في الفرح .. الجوعى يهجمون على الطعام .. يتخطفون اللحم الذي ربما لم يروه من قبل .. يتقاتلون على الطعام .. " فضل الجبالي " يبعث من جديد .. يجوب الزقاق والأحوشة والخرابات في الظلام .. يضع الطعام بجوار الفقراء والجياع النائمين .. تحققت نبوءتهم إذن .. رغم تكتم الجياع الأمر يعلم فرج الجبالي بالأمر .. يكذب الخرافة التي يرى فيها خطورة على مصالحه .. يطلب من شيخ المسجد وصم كل من يصدق هذه الخرافة بالكفر .. يفعل ذلك شيخ المسجد فالخرافة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .. يرفض الفقراء تصديق الشيخ فهم يجدون الطعام تحت رؤوسهم كل صباح .. زوجة جابر تضع مولودها " فضل الجبالي " نسبة إلى الولي صاحب الخرافة .. يضبط فرج أخاه جابر متلبسا بأخذ الطعام من المخازن .. يكتشف حقيقة الخرافة .. جابر يأخذ الطعام من المخازن ويوزعه على الفقراء الجياع باسم فضل الجبالي الذي بعث من جديد .. فرج يجلد أخاه بالسياط .. زوجة جابر " أم فضل " تستعطف فرج أن يرحم أخاه .. فرج يضرب جابر بالشوم .. يحبسه في المخزن .. يعلقه من رجليه في سقف المخزن .
أم فضل تحرض الفقراء على الثورة وتحرير - حبيبهم - جابر من براثن فرج .. يتردد الفقراء الجياع .. تنجح في إقناعهم .. في المساء يثور الجياع .. يقتحمون على المفسدين خدورهم وهم في أوضاع مخلة مع عشيقاتهم .. يكسرون أبواب المخازن .. يفكون قيد جابر المعلق من السقف وقد كادت عيناه تخرج من رأسه وكاد أن يلفظ أنفاسه الأخيرة .. يأخذون الطعام .. يرجمون فرج بالحجارة .. يسقط قتيلا بعد أن سقطت شومته التي كان يستند إليها ويضربهم بها .. تطالبهم أم فضل بتقطيع جذوع الأشجار ليصنعوا منها شوما ملكا لهم ( علشان إرادتنا تبقى في إيدينا .. لازم لقمتنا تبقى من إيدينا .. ويكون سلاحنا من إيدينا )
*****
وكما نرى ففيلم الجوع فيلم متميز على مستوى القصة والسيناريو والأداء والديكور والتصوير والإخراج .. ورغم هذا فقد ظلم الفيلم ظلما فادحا سواء في فترة عرضه أو في مقاطعة التلفزيون المصري له .. وترجع مقاطعة الإعلام المصري للفيلم لأنه فيلم يحمل رسالة .. والرسالة التي يحملها الفيلم يراها مسئولو الإعلام والثقافة في مصر رسالة تحريضية حيث يحرض الجياع على السادة المفسدين .. ومن هنا كان تجريد كاتب السيناريو لزمن الفيلم الذي وقعت فيه الأحداث حتى يحظى بموافقة الرقابة .
إن التجريد الزمني الذي أخذ به فيلم " الجوع " يجعله صالحا للعرض في كل وقت .. فرغم أن الفيلم أنتج عام 1986 وعرض عام 1989 إبان حكومة الدكتور علي لطفي إلا أنه يصور حالنا اليوم .. ويالها من مصادفة عجيبة أن نتعرض للفيلم في الذكرى الخمسين لحريق القاهرة والذكرى الخامسة والعشرين لانتفاضة يناير 1977 .
قبل ثورة يوليو بسنوات تمكنت حركة مصر الفتاة من هز عرش فاروق بقوة وهددت مصالح حاشيته الفاسدة بتحريضها للشعب وإعداده لمواجهة النظام الفاسد وعبئت الشعب نفسيا لإسقاط هذا النظام .. وفي يوليو 1951 وقبل ثورة يوليو بعام كامل - نشرت جريدة " الشعب الجديد .. لسان حال الإشتراكية " مقالا مصورا تكلمت فيه الصورة فقط بعنوان " رعــــــــاياك يـــــــامولاي " تعرضت فيه الصور لبؤس وشقاء الشعب .. شيخ هرم يقتله الجوع والفقر والعوز وقد جلس على الأرض مستندا إلى الحائط .. طفل في أسمال بالية .. مريض على قارعة الطريق .. وفي نفس التاريخ تخرج جريدة الإشتراكية وعلى صدر صفحتها الأولى عنوان من ثلاث كلمات تحريضية " الثورة .. الثورة .. الثورة " مقال بقلم أحمد حسين .. وكأنه رحمه الله يكتبه اليوم .. يبدأ مقاله بإضراب الفلاحين في ميت فضالة مركز أجا عن جمع القطن احتجاجا على الإيجارات المرتفعة ومواجهتهم مع البوليس وسقوط شهداء .. يتطرق إلى ألوف العاطلين الذين فصلوا من أعمالهم خاصة عمال النسيج بعد أن أغلقت المصانع أبوابها .. أهل الحكم مشغولون عن العاطلين بالتعديل الوزاري وهو حائر بماذا يجيبهم وهم يقولون له ( نحن جياع وقد سدت في وجوهنا الأبواب ) .. يضيف ( لا أستطيع أن أقول لهم تسولوا .. لا أستطيع وأنا رجل قانون إلا أن أقول لهم إذهبوا إلى الحكومة بجموعكم هذه وطالبوها بتدبير عمل لكم .. ولكن البوليس يحول بينهم وبين الاقتراب من الوزراء .. ليس هناك سوى كلمة واحدة لا أنطق بها ولكنها تتجلى في حيرتي وفي ارتباكي وعجزي عن الكلام .. إنها الثورة .. الثورة .. إن الجميع يغمغمون بها ولست أستطيع أن أردهم عنها .. فلم يعد عنها محيص مادامت الحكومة تدفعهم إليها دفعا ) .. وينتقل إلى بائعي دمائهم ليحصلوا على لقمة الخبز .. ويعود مرة أخرى للفلاحين التعساء .. ثم نار الغلاء .. فساد الحكم .. يعود لتحذيرهم وتبصيرهم إنها الثورة الثورة فإما أن يتداركوها وإما يتحملوا تبعاتها .
بعدها بشهور قليلة احترقت القاهرة واتهم أحمد حسين بالتحريض على حرقها رغم أن الرجل لم يكن إلا نذيرا محذرا .. وبغض النظر عن الفاعل .. القصر أو الإنجليز أو الشيوعيون أو حتى مصر الفتاة وأحمد حسين الذي برأه القضاء .. بغض النظر عن الفاعل فإن الشيء المؤكد أن شعب القاهرة وعلى غير عادته لم يتدخل لإخماد الحريق .. نعم لم يتدخل لأن القاهرة الرومية .. قاهرة إسماعيل وفؤاد وفاروق .. قاهرة الأجانب والمفسدين لم تكن قاهرتهم .. فلماذا يتدخل الشعب لإخماد الحريق .
ولقد كانت أحداث انتفاضة 77 حاضرة دون شك في ذهن المخرج والسيناريست عند إعداد الفيلم .. هذه الأحداث التي عبرت عن ثورة الفقراء وغضبتهم إزاء رفع الحكومة وقتها ووزير إقتصادها ( د. عبد المنعم القيسوني ) للأسعار ببعض القروش القليلة .. ساعتها ثار الشعب ليثأر لجوع بطنه واضطر الرئيس السادات في اليوم التالي إلى إلغاء القرارات ولم ينتظر لحين عودته من أسوان .. وتحرك الجيش .. ثم عاد السادات بعدها ووصفها بانتفاضة الحرامية .. رغم أنها كانت ثورة جياع .
رحم الله أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه عندما قال حكمته المأثورة ( ماجاع فقير إلا بتخمة غني ) الكل يعاني الفقير من الجوع والغني من التخمة .. ورحم الله الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال ( إن الله استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ونوفر حاجاتهم ونؤمن خوفهم .. فإن لم نفعل فلا طاعة لنا عليهم ) .. وصدق أبا ذر الغفاري رضي الله عنه عدو الثروات ( عجبت لمن لا يجد القوت في بيته .. كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه ) ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاه عن حمل سيفه في وجوه الأمراء وإن لم يمنعه عن أن يحمل عليهم في الحق بلسانه البتار .
الفيلم إذن رسالة للحكام قبل أن يكون رسالة للمحكومين .. رسالة بأن يحذروا ثورة الفقراء والجياع والعاطلين والمعطلين .. ما أشبه الليلة بالبارحة .. خمسون عاما على حريق القاهرة وخمس وعشرون على انتفاضة 77 .. الحالة الإقتصادية تزداد بؤسا .. شبح البطالة يهدد الجميع بعد أن وصل عدد العاطلين مابين الخمسة والستة ملايين .. إن قنبلة البطالة غير الموقوتة تهدد الجميع وتهدد إستقرار مصر الذي نحرص عليه جميعا ولكن السيد رئيس الوزراء يكتفي بالمسكنات والتقارير والبيانات والأرقام الوردية .. مصانع تغلق .. عمال يسرحون .. خريجي جامعات وكليات القمة لا يجدون عملا .. أموال مصر إضافة إلى المنح والقروض تم الدفع بها في مشاريع البنية التحتية من مواسير صرف وكباري وأنفاق وتليفونات .. ليتهم أنفقوا نصفها وأنفقوا النصف الآخر في تشييد مصانع جديدة أو في تطوير المصانع القائمة بدلا من بيعها بتراب الفلوس ليجد القادرون على العمل فرصة للعمل بدلا من أن يلقى بهم في عالم اليأس والقنوط والإحباط أو عالم ما يسمونه بالإرهاب .. هذا هو حال مصر اليوم وما أشبه الليلة بالبارحة .
*****
يقدم الفيلم نموذجا لفقهاء السلطان متمثلا في شيخ المسجد الذي يقدم الدين مبررا للاستبداد .. يقدم الدين مبررا للفساد .. يقدم الدين مبررا للخنوع .. وفي المقابل يقدم ابن الحارة نموذجا للإسلام الذي يعرف التراحم والتعاون بين أبناء المجتمع والذي يأخذ بيد الضعيف ويغفر ويسامح وفي نفس الوقت يواجه المستغلين والمفسدين .
وشخصيات الفيلم ديناميكية ففي حين رفض جابر استكانة الفقراء للخرافة وعقدهم الأمل عليها في الخلاص إلا أنه اضطر لأن ينزل الخرافة على أرض الواقع عندما وجد أن حالة البؤس التي وصلوا إليها فاقت الاحتمال فاضطر لأن يتقمص شخصية الجد فضل الجبالي الذي بعث من جديد ليأخذ من الأغنياء ليعطي الفقراء ويضع الطعام تحت رؤوسهم .. وفي المقابل نجد شخصية أم فضل البائسة المسكينة التي كانت تشكك في إمكانية التصدي للمفسدين نجد أن شخصيتها تتطور - عندما عذب زوجها وكاد يتعرض للموت - وتحرض الفقراء والمساكين والجوعى على مواجهة فرج واقتحام المخازن للحصول على الطعام وتحرير زوجها الرمز في هذه الحارة .. ويتم على يدها تخليص الحارة من فرج رمز الشر في الحارة .
وينتهي الفيلم برمز واضح .. يرجم الجوعى فرج بالحجارة وكأنه الشيطان الذي يرجمه الحجاج في مناسكهم .. يسقط الشيطان - فرج - قتيلا بعد أن سقطت شومته التي كان يستند إليها ويضربهم بها .. تطالبهم أم فضل بتقطيع جذوع الأشجار ليصنعوا منها شوما ملكا لهم (علشان إرادتنا تبقى في إيدينا .. لازم لقمتنا تبقى من إيدينا .. ويكون سلاحنا من إيدينا )
*****
لا يمكن أن أنهي المقال دون أن أوجه تحية خاصة للفنان المبدع الأستاذ عبد العزيز مخيون .. فنان كبير لا يعتمد على نجوميته قدر اعتماده على علمه ودراسته وموهبته .. مؤد بارع لا يرتدي أي قناع فني كنجوم الشباك الذين يكررون أنفسهم في كل الأفلام .. ولأنه لا يصنف عند أهل الفن - وشللهم - كنجم شباك فقد حصل على جائزة أفضل ممثل دور ثان من جمعية النقاد .. جائزة الدور الثاني رغم أن دوره دور بطولة !!!!!!! .. ما يؤمن به عبد العزيز مخيون الإنسان يحرص دائما على أن يقدمه في أفلامه ومسرحياته .. يتمثل مجموعة من القيم والنماذج المتفردة في تاريخ حضارتنا العربية والإسلامية .. هو فنان يحمل رسالة .. وعلى المستوى الإنساني نموذج فاضل تسعد بصحبته وتسعد بحديثه وحماسه وحبه لأهله ووطنه ودينه وللنموذج الحضاري الذي يمثله .
دليل ربط تسجيل دخول العملاء والموظفين عبر Google OAuth في Odoo 18
-
في عالم التجارة الإلكترونية وإدارة الشركات الحديثة، لم يعد أحد يفضل كتابة
كلمات مرور جديدة لكل موقع. توفير خيار "تسجيل الدخول بواسطة Google" ليس مجرد ...





0 التعليقات:
إرسال تعليق