أكذوبة حقن الدماء وتجنيب بلادنا ويلات الحرب *
إن القيادة التقليدية التي قادت كفاحنا الوطني منذ فشل ثورة عرابي لم تكف أبدا عن إبداء جميل عواطفها ورغبتها في حقن الدماء وتجنيب بلادنا ويلات الحرب .. آه وكم حقنت- القيادة - من دمائنا وفرطت في استقلالنا وحقوقنا وكرامتنا كأمة؟! .. فتحت شعار (تجنيب بلادنا ويلات الحرب) انتقلت من التفريط إلى الاستسلام .. ومن المساومة إلى الخيانة .. ولكن تجربة التاريخ أثبتت أن الدماء الوحيدة التي تحقنها المساومة هي دماء الغزاة والمحتلين والأعداء لأن دماء الشعب المقهور تهدر بمعدل أكبر تحت وطأة الاستسلام منها في ساحة القتال من أجل التحرير وأن مصرنا الجميلة تذوى وتدمر إذا ما استسلمت للغزاة .. وتنمو وتزدهر خلال حربها التحريرية .
المجاهدون في ثورة القاهرة الثانية – إبان الحملة الفرنسية - ما كان بوسعهم أن يوقفوا الثورة في منتصف الطريق .. يعترف عبد الرحمن الرافعي - في موسوعته التاريخية - بأن كليبر – قائد الحملة الفرنسية بعد هروب نابليون - لم يكن صادقا في عهده للعلماء بإنهاء القتال دون تنكيل ولا عقوبات .. فماذا كان الجماهير ستكسب إذا ما خانت ثورتها واستسلمت لرحمة الغازي المتوحش ربما لكسب الرأي العام العالمي ( لحسن حظنا لم تكن هذه الأكذوبة قد عرفت بعد ) .
( وبذلك اخفقت المساعي وتجددت المذبحة .. وتجددت معها فجائع القتل وسفك الدماء والإحراق والتدمير .. ثم انتهت المأساة بالتسليم بعد أن نزل بالناس من الخطوب والأهوال ما لم يشهدوا مثلة من قبل ) هكذا يتأسف (الرافعى) .. وليكن !! .. ولكن هل من سبيل آخر أمام الأمم للتحرر إلا طريق الدم و الخطوب و الأهوال وخوض ما لم يخوضوا مثلة من قبل لكي يحققوا عزة ونصرا وتقدما لم يحققوا مثلة من قبل ؟!!!
ليس دقيقا أن نقول أن (بولاق) استسلمت .. فالحق أن بولاق أخذت عنوة بحد السيف وبالحديد والنار .. سقطت شبرا شبرا وبيتا بيتا .. ورصيفا رصيفا .. ولا عار على بولاق أن تؤخذ عنوة وان يقهرها أقوى جيش – وقتها – فالعار لمن يستسلمون بلا قتال !!!!!!!.
نعم أخذت بولاق .. سحقت.. دمرت .. أبيدت .. فالصورة التي تمت بها تصفية الثورة ليست صورة تسليم و استسلام .
ينتقل (الرافعي) عن المسيو "جالان" (في اليوم الحادي والعشرين من شهر جرمينال - يوافق 14 إبريل 1800م - أنذرت بولاق بالتسليم فرفض أهلها كل إنذار و أجابوا بإباء وكبرياء انهم يتبعون مصير القاهرة – التي صمدت قبل بولاق - وأنهم إذا هوجموا فهم مدافعون عن أنفسهم حتى الموت فأخذ الجنرال فريان يحاصر المدينة وبدا يصب عليها من المدافع ضربا شديدا أملا منه في إجبار الأهالي على التسليم ولكنهم أجابوا بضرب النار ، فأطلقت المدافع قنابلها على المتاريس ، وهجم الجنود على الاستحكامات فاقتحموا أكثرها وظل بعضها يقاوم ، واستبسل الاهلون في الدفاع ولجئوا إلى البيوت فاتخذوها حصونا يمتنعون بها ، فاضطرت الجنود إلى الاستيلاء على كل بيت منها ، والتغلب عليها بقوة الحديد والنار وبلغ القوم في شدة الدفاع حدا لا مزيد بعده ، وفى هذا البلاء عرض العفو على الثوار فأبوا واستمر القتال ، فجعلنا المدينة ضراما ، و أسلمناها للنهب وصار أهلها عرضة لبطش الجنود وتنكيلهم ، فجرت الدماء أنهارا في الشوارع وشملت النار أحياء بولاق من أقصاها إلى أقصاها ، وعادت تلك المدينة العامرة الزاهرة هدفا للخراب .. ومضت ثمانية أيام والنار تلتهمها ولا تزال تشتعل فيها ) - لا يتمكن محمد جلال كشك من السيطرة على مشاعره فيضيف في الهامش ( رائعة أنت يا مدينتي .. يا عاصمة العروبة .. خالدة يا أمتي .. وشاهت وجوه المنافقين ) .
أما القاهرة فيؤرخ "جالان" أيضا معركتها ( صبت المدافع قنابلها على المدينة الثائرة ، ودوى صوت الضرب في كل مكان . وظل إطلاق القنابل والرصاص متواصلا طول الليل وشبت الحرائق في جهات متعددة وآخذت النيران في كل لحظة تلتهم المنازل بعضها اثر بعض ، وأحدثت النار من الخرائب والحرائق في القاهرة ، ما لم يحدث مثلة منذ بدا الحصار وقد قتلنا عددا كبيرا من الناس في تلك الموقعة المروعة ولكننا فقدنا كثيرا من الشجعان قبل ان تصبح المدينة في قبضة يدنا ) .
وبعد أسبوعين من ( وقوع المدينة في قبضتهم ) يصف (جالان) حالة القاهرة في 5 مايو 1800 م (عم الخراب أحياء بأكملها وتمثل لنا شبحه المخيف في الأزبكية ، وأثرت في نفسي صورته المفزعة ، فليس في الإمكان أن تخطو خطوة إلا على كثبان من الخرائب والأتربة ، وكانت رائحة العفونة تنبعث من الرمم المدفونة تحت الردم ، وزاد هذا المنظر فظاعة أن الجنود مدفوعين بفكرة النهب .. كانوا ينبشون الجثث من تحت الأنقاض والخرائب فكلما اظهروا جثة زاد المنظر هولا وفظاعة ) .. ويعلق جلال كشك ( أي صورة حضارية قدمت لأبناء القاهرة !!! .. وجند الثورة الفرنسية ينبشون جثث الموتى للتفتيش في جيوبها وقطع الأقراط والخواتم من آذان وأصابع النساء ! )
ويختتم "جالان" .. (ودخل الفرنساوية إلى المدينة يسعون وإلى الناس بعين الحقد ينظرون ) .
ترى هل نترك الفرنساوية الجدد – الصهاينة والأمريكان - يدخلون العراق ومن بعده سوريا وإيران ؟!!!!!! .. هل نصمت حتى تدخل خيول الحملة الصليبية الكعبة ويدنسون بيت الله ومسجد رسوله الكريم ؟!!!!! .. هل نكتفي بالفرجة على ما يحدث لأهلنا في العراق وفلسطين حتى يباغتنا الأوغاد ويدخلون الجامع الأزهر كما دخلوه أول مرة ليربطوا خيولهم بقبلته ويهشموا خزائن طلبته ومجاوريه وكتبته .. لينهبوا ما يجدوا من متاع وأواني وقصاع .. هل نصمت ونضع الأحذية في أفواهنا حتى تدخل خيلهم الأزهر كما دخلته أول مرة ويدشتوا كتبه ومصاحفه .. ويدوسونها بأرجلهم ونعالهم .. وليحدثوا فيه ويتغوطوا .. ويتبولوا ويتمخطوا .. ويشربوا الشراب ويكسروا كئوسه بصحنه وساحته .. ألم يقولوها بلسان كبيرهم .. إنها حملة صليبية تستهدف الإسلام والمسلمين ماذا نحن فاعلون .. هل سيدخلون الأزهر كما دخلوه أول مرة ؟!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! .. أم تنهض الأمة من كبوتها ليدخل عباد الله المسجد الأقصى كما دخلوه أول مرة ليسوءوا وجوه الصهاينة والأمريكان وليتبروا ما علوا تتبيرا ؟!!!!!!!!!!!.
مجدي قرقر
* من كتاب محمد جلال كشك " ودخلت الخيل الأزهر " – الطبعة الثالثة – الزهراء للإعلام العربي – 1990 – ص 297 : 300
( كتاب لابد أن يقرأ )





0 التعليقات:
إرسال تعليق