5/19/2009

النظام الانتخابي ومستقبل الديمقراطية

qorqor53@hotmail.com
إصلاح النظام السياسي أم إصلاح النظام الانتخابي ؟ 00 سؤال مهم يصور علاقة الكل بالجزء وبالتالي فالارتباط بين كلاهما ارتباط قوي 00 وإذا كنا قد ركزنا على قضية الإصلاح السياسي في مقالنا السابق حول " مستقبل الديمقراطية في مصر " فإننا نفرد هذا المقال لقضية النظام الانتخابي في مصر في ظل ما أثير عقب انتخابات مجلس الشعب 2000 وما يثار الآن في ظل إجراء انتخابات مجلس الشورى 0
أثيرت عقب الانتخابات التشريعية السابقة ملاحظات عديدة حول سيادة المال والبلطجة للعملية الانتخابية 00 ضعف الأحزاب كلها بما فيها الحزب الحاكم 00 غياب البرامج الانتخابية 00 غلبة الرؤية المحلية للمرشحين على الرؤية القومية 00 احتكار الحزب الوطني لأغلب مقاعد المجالس التشريعية دون وجود تنظيم حقيقي له يعكس هذه الأغلبية 00 تكالب النواب على الوزراء داخل قاعة المجلس للحصول على توقيعاتهم لقضاء بعض المصالح المحلية 0
XXX
الأوضاع السياسية والاجتماعية
والنظام الانتخابي المناسب
تختلف نظم الانتخابات من دولة لأخرى تبعا للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومدى التقدم الحضاري والثقافي لشعوبها ومن هنا نشير إلى ما يلي:
¨ لا يوجد نظام انتخابي خال من العيوب فلكل نظام مزاياه وعيوبه 0
¨ نظام الانتخاب الملائم في فترة زمنية ما قد لا يكون كذلك في فترة زمنية أخرى
¨ النظام الانتخابي المناسب للمجالس التشريعية قد لا يكون مناسبا للمجالس المحلية نظرا لاختلاف المعايير المطلوبة في نواب المجالس التشريعية عن تلك المطلوبة في نواب المجالس المحلية 0
¨ مطلوب أن نفكر لأنفسنا بأنفسنا في إبداع النظام الانتخابي الأنسب لنا ولكن في نفس الوقت يجب ألا تكون لدينا الحساسية من الاستفادة من خبرة الآخرين إذا تطابقت بدرجة أو بأخرى مع ما قد فكرنا فيه 0
وفي هذا الإطار إذا حاولنا الربط بين الوضع السياسي والاجتماعي في مصر والمعايير المطلوبة في نواب المجالس التشريعية فإنه يمكننا نخلص من هذا الربط إلى النظام الانتخابي المناسب لمصر :
¨ مصر دولة تعاني بدرجة كبيرة من نقص الخدمات وقصور البنية التحتية خاصة خارج القاهرة 00 وبالتالي فإن كافة المحافظات وكذا العشوائيات في القاهرة والإسكندرية في أمس الحاجة لهذه الخدمات 0
¨ في نفس الوقت 00 مصر دولة مركزية قوية 00 وكل السلطات مركزة في يد الوزراء 00 وأبواب الوزراء لا تفتح إلا للنواب 00 وإن لم تفتح فهم يتكالبون على الوزراء داخل قاعة المجلس 00 والانتخابات الفردية هي الأقدر على فرز هذا النوع من النواب الخدميين 0
¨ مصر دولة تواجه كثيرا من التحديات الداخلية والخارجية التي تستدعي وجود نواب لهم رؤية كلية قومية وهو ما لا يتوافر غالبا في النواب اللذين تفرزهم الانتخابات الفردية 0
كيف نحل هذه الإشكالية 00 وهل من نظام انتخابي يحل هذه المعادلة الصعبة ؟
XXX
النظم الانتخابية والديمقراطية
هناك شكلان من أشكال الممارسة الديمقراطية الانتخاب المباشر والانتخاب غير المباشر 00 والانتخاب المباشر معمول به في انتخابات المجالس التشريعية والمحلية في مصر 00 والانتخاب غير المباشر ( على درجتين أو أكثر ) معمول به في بعض النقابات المهنية وفي الانتخابات الداخلية لبعض الأحزاب المصرية كما هو معمول به في انتخابات رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ( المجمع الانتخابي ) 0
ودون شك فإن الانتخاب المباشر هو الأكثر اتساقا مع الديمقراطية حيث يختار الناخب بإرادته الكاملة مرشحه دون أي وسيط مما يضاعف من اهتمامه بممارسة حقوقه السياسية والمشاركة في العملية الانتخابية 0
XXX
الانتخاب الفردي 00 المزايا والعيوب
يتميز أسلوب الانتخاب بالنظام الفردي بما يلي :
1. سهولته
2. معرفة الناخبين للمرشحين بشكل شخصي في ظل الوضع القائم حاليا ( نائبين في دائرة صغيرة نسبيا)
3. معرفة المرشح بمشكلات وحاجات دائرته الانتخابية بدقة0

في المقابل يعيب أسلوب الانتخاب بالنظام الفردي ما يلي :
1. دكتاتورية الناخب حيث يقوم اختيار الناخب لمرشحه على عوامل شخصية ومحلية وبالتالي يكون النائب خاضعا لرغبات ناخبيه حتى وإن تعارضت مع مصالح الأمة في مجموعها ويكون همه الأول تحقيق المصالح المحلية الضيقة لأهل دائرته حتى أن مجلس الشعب أصبح كمجمع كبير لممثلي المجالس المحلية 0
2. يصبح النائب وكيلا عن ناخبيه لقضاء مصالحهم أمام الوزراء وأجهزة الدولة مما يضعف من دوره الرقابي ودوره في ممارسة حق تقديم الاستجوابات وطلبات الإحاطة لهؤلاء الوزراء اللذين أدوا هذه الخدمات له ولأهل دائرته 0
3. ضعف الأحزاب كلها بما فيها الحزب الحاكم لحساب المستقلين اللذين يفتقدون غالبا الرؤية السياسية الواضحة 0
4. غياب البرامج الانتخابية وغلبة الرؤية المحلية للمرشحين على الرؤية القومية
5. سهولة التدخل المباشر للتأثير على الانتخابات وتزييفها 0
6. تكريس سطوة الأبنية والتركيبات التقليدية التي تنتخب على أصول وقواعد الانتماء القبلي أو العشائري مما يعوق التنمية الديمقراطية 00 حتى أنه من الشائع تقفيل بعض القرى تصويتيا للمرشحين من أبنائها وهو ما لا يتحقق لمرشحي المدن على سبيل المثال 0
7. يصعب تقسيم الدولة إلى دوائر انتخابية صغيرة ومتساوية مما يؤدي إلى عدم تساوي ما يمثلهم كل نائب في البرلمان 00 فضلا على سهولة التلاعب في تقسيم الدوائر الانتخابية وتمزيقها لصالح بعض المرشحين والأحزاب 0
8. كما أن صغر حجم الدائرة يؤدي إلى سهولة تدخل رجال الأعمال وشراء الأصوات بالمال أو اغتصابها بالبلطجة ( سطوة المال والبلطجة ) 0
9. إهدار الأصوات 00 حيث يمكن لمرشح أن يفوز إذا حقق نسبة عدد خمسين في المائة من الأصوات إضافة إلى صوت واحد في مقابل إهدار أصوات المرشح المنافس إذا حصل على نفس النسبة منقوصا منها صوت واحد وهو ما لا يحقق العدالة التي تنشدها العملية الانتخابية 0
10. صعوبة تمثيل بعض الجماعات السياسية ( الأقباط – المرأة ) 0
XXX
الانتخاب بالقائمة النسبية 00 المزايا والعيوب
يتميز أسلوب الانتخاب بالقائمة النسبية بما يلي :
1. مفاضلة الناخب في هذا الأسلوب على أساس المبادئ والبرامج السياسية والحزبية وليس على أساس الاعتبارات الشخصية مما يؤدي إلى الارتفاع بالوعي السياسي للشعب واهتمامه بالقضايا القومية ومما يؤدي أيضا إلى تقوية الأحزاب السياسية الفاعلة في الساحة 0
2. يقوي موقف النواب أمام الحكومة بما يمكنه من ممارسة دوره الرقابي ودوره في ممارسة حق تقديم الاستجوابات وطلبات الإحاطة للوزراء 0
3. تحجيم التدخل في تزييف إرادة الناخبين أو التأثير عليها بالمال نتيجة لكبر الدوائر الانتخابية ونتيجة الاعتماد على التمويل الحزبي وليس التمويل الفردي0
4. إضعاف تأثير الانتماء القبلي أو العشائري والذي يعوق التنمية الديمقراطية 0
5. ضمان أكبر قدر من العدالة بعدم إهدار الأصوات حيث يتم توزيع المقاعد على القوائم حسب نسبة الأصوات التي حصلت عليها 0
6. إعطاء فرصة أكبر لتمثيل بعض الجماعات السياسية التي يصعب تمثيلها في ظل الانتخاب بالنظام الفردي ( الأقباط – المرأة ) 0

في المقابل يعيب أسلوب الانتخاب بالقائمة النسبية ما يلي :
1. تحكم الأحزاب في وضع القوائم الانتخابية وقد تسئ استخدام سلطتها في الاختيار والذي تحاول الأحزاب التغلب عليه بعمل مجمع انتخابي للحزب داخل كل دائرة لاختيار ممثلي الحزب في القائمة 0
2. احتمال خداع الجماهير بوضع بعض الرموز التي لها رصيد شعبي على رأس القائمة ثم تكملة القوائم بشخصيات ذات إمكانيات متواضعة 0
3. تضييع حق الناخب في الاختيار نتيجة عدم إمكانية التعديل في القائمة بالإضافة أو الحذف أو إعادة الترتيب 0
4. صعوبة مهمة الناخب في الاختيار نتيجة سعة الدائرة 0
XXX
نحو أسلوب انتخابي أنسب لمصر
يفترض لاختيار نظام انتخابي أنسب لمصر لانتخاب مجالسها التشريعية أن يحقق المعايير التالية :
1. التوافق مع أوضاع مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي تعرضنا لها في صدر هذا المقال 0
2. تجاوز السلبيات والعيوب السابقة التي أشرنا إليها في كلا النظامين أو تحجيمها0
3. علينا أن نبدع بأنفسنا وبتجرد وإخلاص النظام الانتخابي المناسب الذي لا يستبعد أي من التيارات السياسية الفاعلة ولا يمكن أي منها من الاحتكار وهو شئ ممكن إذا تجردنا وأخلصنا 0

مما سبق يمكن أن نخلص إلى أحد نظامين يحققان المعايير السابقة :
1. النظام المختلط المعمول به في ألمانيا وهو يجمع بين النظامين الفردي والقائمة بحيث يحدد لكل منهما خمسين في المائة من المقاعد مما يضعف من إمكانية الطعن في عدم الدستورية كما حدث في حالة القائمة النسبية المشروطة وبما يؤدي إلى نجاح كلا النائبين : النائب الخدمي والنائب الذي لديه القدرة على التشريع والاهتمام بالقضايا القومية الكلية أو بمعنى آخر النائب المهتم بهموم دائرته الصغيرة وذلك المهتم بهموم مصر كلها 0
2. نظام القائمة النسبية غير المشروطة بأي شرط ( الانتماء الحزبي – تحقيق نسبة معينة على مستوى الجمهورية – أن تكون القائمة مقفولة بها كل العدد المطلوب انتخابه للدائرة 000 الخ ) بما يسمح للمستقلين أن يخوضوا الانتخابات بقائمة خاصة بهم وفي دائرتهم فقط وبما يسمح لأحد المستقلين أن يخوض الانتخابات بقائمة بها اسمه فقط وبما يسمح لمجموعة من الأحزاب المتقاربة في الرؤى بأن تشارك في قائمة واحدة وبما يسمح بالمشاركة بعدد معين من الدوائر دون الالتزام بالمشاركة في كل دوائر الجمهورية طالما أن نظام الانتخاب لا يشترط نسبة معينة على مستوى الجمهورية 0

نعود فنؤكد إن إصلاح النظام الانتخابي وحده لن يكفي طالما لم يتحقق إصلاح النظام السياسي ونعلم مسبقا أن الدولة لن تستجيب إلا بممارسة ضغوط حقيقية من خلال الأحزاب ونواب الشعب ومن خلال الضغط السياسي والإعلامي واللجوء للقضاء إذا دعت الضرورة 00 ستستمر الدولة في غيها وسنظل نطالب بحقنا في حياة حرة كريمة وفي ديمقراطية حقيقية كاملة غير منقوصة فالديمقراطية ليست منحة توهب ولكنها حق ينتزع 00 ولله الأمر من قبل ومن بعد0

0 التعليقات:

إرسال تعليق

د. مجدي قرقر © 2008 | تصميم وتطوير حسن