2/19/2013

توثيقا للتاريخ قبل تزييفه (4)

حزب العمل وإرهاصات الثورة .. قول يصدقه العمل (4/4)
دكتور مجدي قرقر

تناولنا في المقالات الثلاث السابقة دور حزب العمل في التمهيد لثورة 25 يناير المباركة، وأشرنا إلى إن هذه الثورة كانت امتداد لنضال سنوات طويلة تزيد على الثلاثة عقود، توجت بنضال شامل ومتواصل في السنوات السبع الأخيرة بعد سقوط مبارك
وشعار حزب العمل الجديد " بالإيمان والعمل نبني مصر" ويمكن تلخيص برنامج حزب العمل في عشر كلمات:
1)         استقلال في مواجهة التبعية
2)         طهارة اليد في مواجهة الفساد
3)         التنمية في مواجهة الركود
4)         الحرية في مواجهة الاستعباد
5)         الشورى في مواجهة الاستبداد
6)         العدالة الاجتماعية في مواجهة الظلم الاجتماعي
7)         تأصيل هوية مصر العربية الإسلامية في مواجهة التغريب
8)         مشاركة المرأة في العمل العام
9)         دور أقباط مصر المسيحيين.
10)   خصوصية العلاقة مع السودان.
وبرنامج حزب العمل ليس شعارات ترفع، أو كلمات تقرأ بل هو برنامج عمل، ليس برنامج للمستقبل فقط بل برنامج تم تفعيله في الماضي والحاضر ونستهدف تفعيله في المستقبل للخروج بمصر من الهوة التي أوقعها فيها النظام البائد.
*****
1- استقلال في مواجهة التبعية
هذه هي القضية المحورية في برنامج حزب العمل. تمتد جذور حزب العمل إلى حزب مصر الفتاة ومؤسسها أحمد حسين والتي تمتد جذورها إلى جمال الدين الأفغاني والثورة العرابية وأحمد عرابي وعبد الله النديم ومصطفى كامل ومحمد فريد، تلك المدرسة التي تضافرت فيها الوطنية مع الإسلام، ومن هنا كانت أقصر كلمات أحمد حسين من على منبر الأزهر الشريف عام 1948 "من أراد أن يذهب إلى فلسطين فليتبعني" ليقود كتيبة الشهيد مصطفى الوكيل إلى فلسطين والتي مولها الأستاذ إبراهيم شكري رئيس حزب العمل المؤسس، ومن هنا كانت مشاركة كوادر مصر الفتاة للفدائيين وكوادر الإخوان المسلمين على خط القناة في بداية الخمسينات في مواجهة الإحتلال البريطاني.
ولقد كانت القضية المحورية لجريدة الشعب هي قضية فلسطين - قضية العرب والمسلمين - وكان كاتبها المميز على صفحات الشعب الطبيب المسيحي / رؤوف نظمي (محجوب عمر) أحد أطباء ومقاتلي فتح في فلسطين المحتلة في الستينات من القرن الماضي، حتى أن جريدة الشعب الأسبوعية كانت الجريدة المصرية الأولى في الثمانينات والتسعينات التي تتناول القضية الفلسطينية، سابقة في ذلك كافة الصحف اليومية بما فيها الأهرام.
وكانت المعركة الأم التي خاضتها جريدة الشعب على مدار خمسة عشر عاما قبل إغلاقها وعلى موجتين: الأولى في نهاية الثمانينات والثانية في منتصف التسعينات وحتى بداية الألفية الثالثة - تاريخ إغلاقها - هي معركة التصدي للتطبيع ورأس حربته في مصر يوسف والي - أمين الحزب الحاكم البائد ونائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة لعشرات السنين - والذي اتهمته "الشعب" بالخيانة وقتل المصريين وإصابتهم بالأمراض الفتاكة: الالتهاب الكبدي والفشل الكلوي والسرطان
وكان فارس المعركة الأولى ضد يوسف والي وما يمثله الكاتب الصحفي صلاح بديوي وانضم إليه في الثانية فرسان الشعب الأستاذ مجدي أحمد حسين والأستاذ عادل حسين وفنان الكاريكاتير عصام حنفي.ليحكم على ثلاثتهم - باستثناء الأستاذ عادل حسين - بالحبس ثلاث سنوات ولتغلق جريدة الشعب وهم مازالوا في سجون مبارك - سجون الحلف الصهيوني الأمريكي - بعد أن أهدر قضاة مبارك الوثائق التي تدين ساعده الأيمن.
وقبلها بسنوات كانت معركة جريدة الشعب ضد كامب ديفيد وضد مد مياه النيل للكيان الصهيوني وقاد هذه الحملة الأساتذة الدكاترة حلمي مراد والشافعي بشير. وكانت أيضا معركة حزب العمل ضد العدوان الأمريكي على العراق عام 1991 وعام 2003 وكانت معركة الشعب الأخيرة قبل إغلاقها مباشرة ضد "الهريم الذهبي - الماسوني" الذي أراد فاروق حسني وضعه على قمة هرم خوفو مع استقبال الألفية الثالثة لميلاد المسيح عليه السلام. ولا ننسى هنا مواقف الرئيس المؤسس إبراهيم شكري الداعمة لفلسطين وذهابه إلى طرابلس لبنان 1981 إبان حصار المقاومة وموقفه المدافع عن الشهيد سليمان خاطر في الأزهر الشريف.
كانت قضية التصدي للحلف الصهيوني الأمريكي ورأس حربة التطبيع - يوسف والي - وكنزهم الاستراتيجي - مبارك - هي القضية الأم والتي أغلقوا بسببها جريدة الشعب في مايو 2000 وجمدوا نشاط حزب العمل وأرادوا أن يحرمونا هذا الشرف بافتعال أسباب أخرى مثل التعاون مع جماعة الإخوان المسلمين أو إثارة الشباب برواية "وليمة لأعشاب البحر"
*****

2- طهارة اليد في مواجهة الفساد
خاضت جريدة الشعب معركتها الشهيرة "قضية الفساد الكبرى" في منتصف التسعينات والتي بدأت بفتح ملف حوت مدينة نصر والذي أهدى الوحدات السكنية لرموز النظام الفاسد وتصدى الأستاذ مجدي أحمد حسين رئيس تحرير الشعب لرئيس الوزراء عاطف صدقي بمقالته الشهيرة "تفسد السمكة من رأسها" ولرئيس الديوان زكريا عزمي ووزير الداخلية حسن الألفي وأبنائه وغيرهم كثيرون وكان مصير مجدي حسين الذي دخل عش الدبابير السجن - كالعادة - ورافقه في هذه المرة الكاتب الصحفي محمد هلال.
قبلها بسنوات فتحت جريدة الشعب ملف الفساد في قطاع البترول على عهد وزير البترول الأسبق عبد الهادي قنديل وقاد المعركة د حلمي مراد والمهندس محمد طالب زارع والأستاذ عادل حسين رحمهم الله أجمعين وكانت مانشيتات جريدة الشعب "حاكموا حرامي البترول" ويقصدون وزير البترول.
قبل وفاة المهندس محمد طالب زارع عام 2010 بأسابيع أهداني ملفا به بعض مقالاته بجريدة الشعب في منتصف التسعينات يفضح فيها خطوات الحكومة لتصدير الغاز للكيان الصهيوني، وهي القضية التي لم تفتح إلا بعد ذلك بعشر سنوات على الأقل.
*****
3- التنمية في مواجهة الركود
حول مبارك مصر إلى بركة راكدة بحجة الاستقرار وكان يردد كثيرا أن مشكلة شعب مصر أنه يأكل كثيرا وينجب كثيرا - وكأنه هو الذي يرزقه ويدبر مأكله - ولا يجد حرجا أن يخاطب شباب الجامعة "هذه السنة سوداء والسنة القادمة أكثر سوادا" ومن هنا فقد خاض الحزب والجريدة معارك كثيرة ومتوالية ضد سياسات الحزب البائد الاقتصادية وضد تصفية القطاع العام وضد العلاقة مع صندوق النقد والبنك الدولي وكان كتاب الأستاذ عادل حسين "الاقتصاد المصري من الاستقلال إلى التبعية" مرجعا مهما في مواجهة هذا النظام التابع.
*****
4- الحرية في مواجهة الاستعباد
إننا نشرف في حزب العمل باعتبارنا امتداد للثورة العرابية وزعيمها - نبت هذا الأرض - زعيم الفلاحين أحمد عرابي ومن بعده زعيم مصر الشاب مصطفى كامل واللذان كان الإسلام والوطنية عنصران حاكمان في مسيرتهما. إننا نؤمن بمقولة سيدنا عمر مخاطبا والي مصر والتي استلهمها عرابي في خطابه لخديوي مصر "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" ومن هنا كان موقفنا ضد النظام البائد الذي حول مصر إلى عزبة واعتبار كل ما عليها إرث له، ومن هنا كان دور جريدة الشعب للتصدي لكل هذه الممارسات الشاذة، وكان مقال عادل حسين الذي أسقط زكي بدر "انزعوا السكين من يد هذا المجنون" ومن هنا كان دفاع حزب العمل وجريدته عن حقوق الإنسان والحريات ومساندة الجماعات الإسلامية التي تجاوز النظام في عقابها وفي تصفيتها ومن هنا كانت وقفاته الدائمة مع المظلومين.
ويرفض حزب العمل الاستبداد والاستعباد ويستهدف عودة السيادة للشعب واحترام إرادته في انتخاب حكامه وعزلهم وتداول السلطة، فالحريات السياسية والعقائدية جزء لا يتجزأ من مشروعنا الحضاري.
وطالب الحزب بإنهاء حالة الطوارئ والقوانين المقيدة للحريات وضمان نزاهة الانتخابات فالحرية هي القيمة الأسمى التي كان ينشدها حزب العمل لشعب مصر ضد استعباد مبارك وعائلته وزبانيته لهذا الشعب الأبي.
*****
5- الشورى في مواجهة الاستبداد
ولعل المقال الأول في هذه السلسلة من المقالات قد أشار إلى دور حزب العمل وقياداته وجهادهم بالكلمة وبالنفس في مواجهة النظام البائد وأكتفي بالإشارة هنا إلى مقال الأستاذ عادل حسين بعد سقوط الرئيس الروماني شاوسيكو مخاطبا مبارك "التغيير أو شاوسيكو" وكتابه مع الدكتور حلمي مراد "لا لمبارك" ، والوثيقة التي حررها المجاهد مجدي أحمد حسين عام 2002 والدكتور صلاح صادق والتي تطالب برحيل مبارك وجمع عشرات الآلاف من التوقيعات عليها وتسليمها لمجلس الشعب، وتأسيس "الجبهة الوطنية للتغيير" مع بدايات 2004 ثم حركة (كفاية) والمشاركة الفاعلة مع انتفاضة القضاة 2006 وانتفاضة إبريل 2008 التي كان لكوادر حزب العمل النصيب الأكبر في اعتقالاتها، ولم تهدأ التظاهرات إلا بثورة 25 يناير 2011 .
لقد كانت محصلة التصدي للاستبداد هي هذه الثورة المباركة التي بذر بذرتها الشيوخ ورواها الشباب بدمائهم ورعاها الشعب.
*****
6- العدالة الاجتماعية في مواجهة الظلم الاجتماعي
قيمة العدل الاجتماعي تحظى بأولوية متقدمة في برنامج حزب العمل، ولقد كتب الشهيد سيد قطب كتابه المشتهر "العدالة الاجتماعية في الإسلام" في الأربعينات وقت أن كان أحد كتاب صحيفة "مصر الفتاة" و "الاشتراكية" وقبل انضمامه لجماعة الإخوان المسلمين، وأسس الزعيم أحمد حسين "الحزب الاشتراكي" وكان الأستاذ إبراهيم شكري النائب الوحيد للحزب الاشتراكي ولم يكن قد قرأ كلمة واحدة عن الاشتراكية المادية - وفقا لتصريحاته - لأن الاشتراكية التي يؤمن بها كانت تقوم على العدل الاجتماعي في الإسلام. ومن هذا المنطلق كتب الأستاذ أحمد حسين كتابه المشتهر "الاشتراكية التي نؤمن بها" . ولقد أعد الدكتور حلمي مراد والأستاذ إبراهيم شكري مشروع قانون "الإصلاح الزراعي" وتقدم به إبراهيم شكري للبرلمان قبل الثورة ليرفضه البرلمان ويسخر منه الوزير الوفدي عبد الفتاح حسن لأن شكري سيكون من أوائل من يطبق عليهم القانون، فما كان من شكري إلا أن عاد إلى موطن رأسه - شربين - ليوزع أرض أسرته على الفلاحين اللذين يزرعونها بعد أن باعها لهم بأسعار الأربعينات على أقساط لمدة 40 عاما، وكأنه قد وزعها عليهم مجانا. وبعائد البيع الزهيد أنشأ مصنعا للبلاستيك وآخر للمسامير في منطقة المرج، هكذا أرادتها القيادة التاريخية لحزب العمل، "الأرض لمن يزرعها والرأسمالية الوطنية تصنع مصر" ، وأخذت ثورة يوليو بمقترحات الحزب الاشتراكي ولكنها لم تعط المقابل لملاك الأرض ليتجهوا للصناعة مما دفع بهم لرفع قضايا تعويض كسبوها خلال السنوات القليلة الماضية.
وعندما أصدرت حكومة العهد البائد في نهاية التسعينات قانونا لتحرير العلاقة في الأراضي الزراعية بين الملاك والمستأجرين من الفلاحين بدون إعطاء فترة انتقالية مناسبة لجأ الفلاحون إلى أحد الأحزاب اليسارية ورفض رئيس الحزب لقاءهم فاتجهوا لحزب العمل الذي انتصر لمطالبهم.
*****
تأصيل هوية مصر العربية الإسلامية في مواجهة التغريب
فتح المجاهد مجدي أحمد حسين رئيس تحرير جريدة الشعب في نهاية التسعينات ملف إصدارات هيئة الكتاب ووزارة الثقافة منددا بالمنهج التغريبي الذي تنتهجه وزارة الثقافة، كما خاض الحزب وجريدة الشعب العديد من المعارك ضد الفن المسف المتغرب وغير الملتزم، وكانت آخر معارك الشعب والحزب والتي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير هي فضح إصدار وزارة الثقافة المتمثل في رواية "وليمة لأعشاب البحر" والتي سخرت من ذات الله ومن القرآن الكريم. وكان نتاج هذه الحملة تحريك شباب الجامعات وفي مقدمتهم شباب جامعة الأزهر اللذين انتفضوا غيرة على دينهم.
*****
أربعة مقالات حاولنا فيها قراءة جهاد حزب العمل في مواجهة النظام البائد انتصارا لشعب مصر العظيم وفي المقدمة منه المقهورين والمظلومين والمطحونين، لا نزايد على أحد ولا ننتظر جزاء من أحد لأننا نبتغي مرضاة الله برفعة هذا الوطن، وحتى يكون توثيقا للتاريخ قبل تزييفه.
اللهم اجعل سائر عملنا خالصا لوجهك ولخير هذا الوطن والحمد لله من قبل ومن بعد.
10 فبراير 2013

0 التعليقات:

إرسال تعليق

د. مجدي قرقر © 2008 | تصميم وتطوير حسن